العالم يتحرك وفق حسابات أعقد بكثير من حدود الزواريب اللبنانية وصراعاتها الصغيرة

ليس للعقل اللبناني ولا للقريحة اللبنانية حدود حين يُطلَق العنان للمخيلة والأوهام السياسية. فبغضّ النظر عن الموقف من العقوبات الأميركية أو الغربية على هذه الشخصية أو تلك، وعن خلفياتها وأهدافها الحقيقية، ما زال هناك في لبنان من يقنع نفسه بأن مثل هذه القرارات الدولية الكبرى ليست سوى نتيجة مؤامرة محلية أو وشاية من خصوم الداخل.

هذه النظرة تعكس ذهنية لبنانية قديمة تقوم على إسقاط منطق الزعامة المحلية على العلاقات الدولية، وكأن أجهزة الاستخبارات في الدول الكبرى تدير سياساتها بناءً على جلسة مغلقة هنا أو خلاف شخصي هناك. والحال أن الدول الكبرى، مهما اختلفنا مع سياساتها، لا تبني قراراتها الاستراتيجية على نزاع في زقاق أو خصومة في حيّ، بل على منظومات واسعة من الرصد والمتابعة وجمع المعلومات والتحليل المؤسسي طويل الأمد.

نحن نتحدث عن دول تقوم سياساتها على مؤسسات وأجهزة وخبراء ومراكز دراسات، لا عن بيئات تحكمها العصبيات الشخصية أو اعتبارات الثأر والانتماء الضيق. لذلك فإن اختزال قرارات دولية معقدة في رواية «الوشاية المحلية» لا يعكس عمقًا في التحليل، بقدر ما يكشف عجزًا عن فهم طبيعة النظام الدولي وآليات عمله.

ومن هنا، فإن ربط المصير السياسي لأي فريق أو شخصية بتحالفات خارجية كبرى يحمل في ذاته قدرًا كبيرًا من المخاطرة. فالعلاقات الدولية لا تعرف الوفاء بالمعنى العاطفي الذي يُروَّج له في الخطابات السياسية، بل تحكمها المصالح وتوازنات القوى. وعندما تتبدل هذه التوازنات، يدفع ثمنها أولئك الذين اعتقدوا أن الحماية الخارجية دائمة أو أن التحالفات أبدية.

أما الحديث المتكرر عن أن كل عقوبة أو إجراء دولي بحق شخصية لبنانية هو نتيجة دسيسة محلية، فليس في كثير من الأحيان سوى محاولة للهروب من مواجهة الوقائع، وإعادة إنتاج إحدى أكثر الأساطير السياسية شيوعًا في الحياة اللبنانية: أسطورة أن العالم بأسره يتحرك وفق منطق الزواريب اللبنانية وحساباتها الضيقة. وهذه، في النهاية، ليست قراءة سياسية بقدر ما هي تعبير عن ذهنية لا تزال عاجزة عن التمييز بين الدولة الحديثة ومنطق الزعامة المحلية.

ومن المفارقات أن الخطاب السياسي اللبناني يكثر من الحديث عن الوفاء والثبات والالتزام، فيما تكشف التجارب المتعاقبة أن جزءًا كبيرًا من الطبقة السياسية لم يمارس يومًا وفاءً لمشروع وطني جامع أو لدولة ومؤسسات، بل وفاءً للمحاور الخارجية التي ارتبط بها. فلكل فريق راعٍ خارجي أو مركز نفوذ يتطلع إليه ويستمد منه شرعيته وقوته، حتى بات الانتماء إلى هذا المحور أو ذاك بمثابة معيار للتأهيل السياسي عند كثيرين، لا الكفاءة ولا المصلحة الوطنية.

وعندما تكون السياسة مبنية على هذا النوع من الارتباطات، يصبح مصير أصحابها مرتبطًا بدوره بمصير القوى التي تحميهم أو تدعمهم. لذلك، ما إن يختل ميزان القوى الإقليمي أو الدولي حتى يبدأ الحساب. عندها تتبدد الشعارات الكبيرة عن الرجولة والشجاعة والوفاء، ويكتشف كثيرون أن العلاقات بين الدول والمحاور لا تُبنى على العواطف، بل على المصالح البحتة. وما دام الدعم قائمًا يبقى الحليف مطلوبًا، أما عندما تتغير الظروف فيتحول في لحظة إلى عبء أو ورقة قابلة للمساومة.

لهذا فإن تفسير كل عقوبة أو إجراء دولي على أنه نتيجة وشاية محلية ليس سوى تبسيط مخلّ للواقع. فالأصل أن من يربط مستقبله السياسي بمحور خارجي، أيًّا كان هذا المحور، يضع نفسه تلقائيًا تحت رحمة التحولات الكبرى التي لا يملك السيطرة عليها. وعندما تتغير موازين القوى، لا يعود السؤال: من دسّ ومن تآمر؟ بل يصبح السؤال: لماذا جرى رهن المصير السياسي أصلًا لمعادلات خارجية متقلبة؟

إن الإصرار على تجاهل هذه الحقيقة واللجوء إلى أسطورة «المؤامرة المحلية» لا يعكس سوى استمرار الذهنية اللبنانية التي ترى العالم من خلال منطق الزعيم والتابع والخصومة الشخصية، بينما العالم يتحرك وفق حسابات أعقد بكثير من حدود الزواريب اللبنانية وصراعاتها الصغيرة.

مقالات الكاتب

د. زياد منصور

أستاذ في قسم التاريخ في الجامعة اللبنانية، وباحث في القضايا الروسية.