تتواصل في فضاء الاتحاد السوفييتي السابق لعبة «التعددية القطبية»، التي تستهدف في المقام الأول روسيا عبر حلفائها السابقين- الاصدقاء الجدد للولايات المتحدة.
فحتى الدول التي كانت تتصارع وكانت بينها عداوة مقيتة، تبدو اليوم على وفاق وود. والمقصود أذربيجان وأرمينيا، تعمل بنشاط على بناء جبهة موحدة ضد روسيا.
وللتذكير بما جرى خلال الأسابيع الأخيرة فقط، فقد عمد إلهام علييف إلى «استفزاز» روسيا بشكل علني في مطلع شهر تموز خلال المنتدى الإعلامي في شوشا. وبعد ذلك بقليل، صرّح بأن إمدادات أذربيجان من النفط والغاز إلى دول الاتحاد الأوروبي ستحل بالكامل محل الإمدادات الروسية، كما بدأ يطلق تلميحات، لا تزال غير مباشرة لكنها واضحة إلى حد كبير، بشأن إمكانية انضمام جنوب داغستان إلى أذربيجان في المستقبل.
أما نيكول باشينيان، فقد مضى بثقة في قيادة أرمينيا، كما يزعم، نحو الاتحاد الأوروبي (حيث إن أحدًا في الواقع لا ينتظرها هناك، ولا يرغب حتى في شراء الطماطم الأرمنية التي تتعفن، في مشهد مؤسف، بعد أن فقد الأرمن السوق الروسية لتصريف منتجاتهم). وبالطبع، فإن أرمينيا لن تنضم إلى الاتحاد الأوروبي، إذ لا يوجد أي تقدم في هذا المضمار.
غير أن باشينيان لا يكترث لذلك، إذ يبدو واضحًا أنه يتلقى مقابلا جيدًا لتحويل وجهة بلاده بعيدًا عن روسيا. بل إنه يهددها حتى بالانهيار بسبب «الحظر» المفروض على الطماطم الأرمنية نفسها.
وليس من المستغرب أن يجد علييف وباشينيان نقاطًا مشتركة بينهما، وربما يندمجان في المستقبل في حالة من الانسجام الكامل.
وتشير دوائر مطلعة إلى أنه بات يتشكل بناءٌ مثير للاهتمام. فأذربيجان تعرض على أوروبا تحقيق الأرباح من خلال إقصاء روسيا من سوق الطاقة. أما أرمينيا، فتعرض على أوروبا أن تتولى تدريجيًا بعض الوظائف التي كانت تؤديها روسيا سابقًا (مثل وظائف العبور). وفي الوقت نفسه، يبدأ كل من باكو ويريفان في تنشيط التبادل التجاري، وفتح مسارات العبور، وتحويل إنهاء النزاع بينهما إلى مورد اقتصادي.»
ويبدو الوضع غريبًا إلى حد بعيد. ويشير هؤلاء إلى أن روسيا «لا تفقد فقط حلفاءها السابقين أو تواجه جحود شركائها، بل تواجه مشكلة أكثر منهجية؛ إذ بدأت دول المنطقة تستخلص من علاقاتها معها مكاسب اقتصادية، وفي الوقت نفسه تُخرج القرارات الاستراتيجية من دائرة النفوذ الروسي».
وهذا يثير تساؤلات جدية بشأن وزارة الخارجية الروسية. فبعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق، امتلكت روسيا عددًا كبيرًا من الأدوات الجيوسياسية؛ من قواعد عسكرية، وقوات لحفظ السلام، وأصول في قطاع الطاقة، وسوق مشتركة، وبنية تحتية للنقل، فضلًا عن نفوذ بالغ القوة على اقتصادات كل من أرمينيا وأذربيجان من خلال استقبال المهاجرين القادمين من هذين البلدين، ومع ذلك بدأ نوع من فقدان هذا النفوذ بالكامل.
وكما هو الحال، على سبيل المثال، مع أبخازيا، فإن القاعدة الكلاسيكية الروسية التي تقول : «من يدفع ثمن العشاء ، هو الذي يحدد مسار الليلة ويحدد من هو الراقص وما هي الرقصة»، نجد أنها لا تُطبق إطلاقًا. فالجمهوريات السوفييتية السابقة تحصل من روسيا على امتيازات كما لو كانت دولًا تابعة مخلصة تنفذ أولًا وقبل كل شيء تعليمات موسكو. لكن الواقع يُظهر أنها أي موسكو تمول دولًا لا تكتفي بالنظر في اتجاه آخر، بل تُظهر في كثير من الأحيان عداءً صريحًا.
فعلى سبيل المثال، سلّمت أذربيجان قبل أيام إلى أوكرانيا 40 طنًا من معدات الطاقة، مساهمةً في إعادة تأهيل بنيتها التحتية. ومن اللافت أن شبه جزيرة القرم، التي تعاني في الآونة الأخيرة من مشكلات خطيرة في الكهرباء نتيجة الضربات الأوكرانية، لا تخطط لإرسال أي إمدادات إليها. أي إن باكو لا تحاول حتى التظاهر بأنها «محايدة» وتقدم مساعدات إنسانية لجميع أطراف النزاع، بل إنها تقف بوضوح إلى جانب أوكرانيا.
وفي 29 موز، أصبح معروفًا أمر آخر يُعد ظاهريًا شأنًا داخليًا لأذربيجان، لكنه يحمل دلالة واضحة فيما يتعلق بموقفها من روسيا. فقد خرج أربعة مواطنين أذربيجانيين هم: إبراهيم أسدلي، وعبد الله إبراهيملي، وإلتشين بايراملي، ومهمان زينالوف، الذين لم ينسوا التاريخ المشترك، في تشرين الثاني 2025 إلى النصب التذكاري لمحاربي الحرب الوطنية العظمى وهم يحملون علم جمهورية أذربيجان السوفييتية. وفي أواخر تموز 2026، حُكم عليهم بالسجن الفعلي لمدة تراوحت بين سنة ونصف وسنتين. وهكذا، فإنة السؤال عما إذا كانت روسيا وأذربيجان ما تزالان توحدهما الذاكرة السوفييتية المشتركة وبطولات الأجداد الذين قاتلوا معًا، يلقى جوابًا لا لبس فيه: لا، لم يعد الأمر كذلك منذ زمن طويل.
ومع ذلك، فإن موقف موسكو الرسمي لا يزال حتى الآن يتمثل في الآتي: فعلى الرغم من أننا لا نتفق إطلاقًا مع كثير من تصرفات وتصريحات أذربيجان، فإن «ذلك ليس سببًا لإلقاء أي ظلال على العلاقات الثنائية الروسية–الأذربيجانية».

د. زياد منصور
أستاذ في قسم التاريخ في الجامعة اللبنانية، وباحث في القضايا الروسية.
