في خريف عام 1943، حين اجتمع جوزيف ستالين وفرانكلين روزفلت وونستون تشرشل في مؤتمر طهران، وتحديدًا في السفارة السوفييتية، جاء القرار المتخذ تحوّلًا استراتيجيًا أعاد رسم مسار الحرب العالمية الثانية. فعملية إنزال النورماندي لم تكن لتنجح لولا واحدة من أعقد عمليات الخداع في التاريخ، وهي عملية “فورتيتيود”، التي دفعت القيادة الألمانية إلى توزيع قواتها بعيدًا عن نقطة الحسم.
اليوم، ومع تصاعد التوترات في الخليج، وعودة إيران إلى واجهة الصراع مع الولايات المتحدة وإسرائيل، يُطرح السؤال نفسه: هل يمكن أن يعيد التاريخ إنتاج أدواته، لا وقائعه، في مشهد مختلف جغرافيًا، لكنه متشابه استراتيجيًا؟
المقارنة ليست اعتباطية؛ فكما كان الساحل الفرنسي محصّنًا بـ”الجدار الأطلسي”، يشكّل مضيق هرمز اليوم أحد أكثر الممرات البحرية تحصينًا وحساسية في العالم، نظرًا لدوره الحيوي في تدفّق نحو خُمس الطاقة العالمية. لذلك، فإن أي تهديد بإغلاقه أو السيطرة عليه يوازي، في تأثيره الاستراتيجي، ما كان يمثّله الساحل الفرنسي بالنسبة لأوروبا في أربعينيات القرن الماضي.
غير أن الفارق الجوهري يكمن في طبيعة الحرب الحديثة. لم تعد عمليات الإنزال البحري التقليدية الخيار الأول كما كانت عام 1944، بل أصبحت جزءًا من منظومة أوسع تشمل الضربات الدقيقة، والحرب السيبرانية، والعمليات الخاصة. ومع ذلك، تبقى فكرة “الخداع الاستراتيجي” حاضرة بقوة.
إن إعلان نية تنفيذ إنزال على جزر إيرانية للسيطرة على مضيق هرمز، على سبيل المثال، قد لا يكون “المضيق” الهدف الفعلي، بل استدراج الخصم إلى إعادة توزيع قواته، تمامًا كما حدث حين جرى تضليل الألمان للاعتقاد بأن الهجوم سيقع في “باي دو كاليه”، الذي يبعد نحو 200 كلم عن موقع إنزال النورماندي.
في هذا السياق، يمكن تخيّل عدة سيناريوهات نظرية، دون الجزم بواقعيتها أو قرب تحقّقها. فالجزر المنتشرة قرب مضيق هرمز، مثل “قشم” و”كيش” و”خارك”، تحمل أهمية لوجستية واقتصادية وعسكرية، لكنها أيضًا مكشوفة نسبيًا وتحت رقابة مشددة. أما المناطق الأبعد، سواء داخل العمق الإيراني أو في مسارح أخرى متصلة بالصراع، فقد تكون أكثر جذبًا لعمليات خاصة أو إنزالات محدودة تستهدف بنى تحتية أو مراكز حساسة.
لكن الحديث عن “أماكن محددة” لعمليات إنزال مظلي أو هجومي يبقى أقرب إلى التحليل النظري منه إلى التقدير العملي، لأن الحروب الحديثة تُدار بمرونة عالية، حيث تُبنى الخطط على عنصر المفاجأة وتغيّر المعطيات في الزمن الحقيقي.
ما يمكن قوله بثقة هو أن أي عملية عسكرية معاصرة، إن حدثت، لن تكون نسخة عن النورماندي، بل مزيجًا معقّدًا من العمليات المتزامنة عبر البرّ والبحر والجوّ والفضاء الإلكتروني.
الدروس المستفادة من التاريخ هنا لا تتعلق بتكرار السيناريو، بل بفهم منطق القوة. في الحرب العالمية الثانية، لم يكن التفوق العسكري وحده كافيًا، بل كان التفوق في الخداع والمعلومة. واليوم، في عالم تتسارع فيه التكنولوجيا وتتشابك فيه المصالح، قد يكون التضليل الاستراتيجي أكثر تأثيرًا من الضربات المباشرة.
العودة إلى التاريخ ضرورة لفهم الحاضر. فبين الحرب العالمية الثانية وصراعات اليوم، خيط غير مرئي من المبادئ الاستراتيجية التي لا تتغير، حتى وإن تغيّرت الأدوات. فعناصر الخداع والمفاجأة، وإدارة الإدراك لدى الخصم، تبقى عناصر حاسمة في أي مواجهة كبرى.
وفي النهاية، قد لا يعيد التاريخ نفسه، لكنه غالبًا ما يعيد طرح الأسئلة ذاتها، ولكن بوجوه جديدة.

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
