لا تُقاس الهدن بعدد الأيام، بل بكمية الأسئلة التي يمكن أن تُطرح. هكذا تبدو فرضية وقف إطلاق النار لمدة عشرة أيام بين لبنان وإسرائيل: مساحة زمنية قصيرة ظاهرياً، لكنها استراتيجية بامتياز، تختزن احتمالات متناقضة بين التهدئة المؤقتة وإعادة تشكيل مسرح المواجهة.
في العمق العسكري للصراع، واستناداً إلى الدروس المستقاة من الحروب، يتبيّن أن الهدن القصيرة غالباً ما تكون جزءاً من دينامية الحرب نفسها، لا خروجاً منها. إذ لا يمكن قراءة أي توقف للعمليات بمعزل عن منطق إعادة تنظيم القوى، من ترميم سلاسل الإمداد اللوجستي، وتجاوز معضلة الإنهاك القتالي التي تصيب الوحدات الأمامية.
نعم، من خلال هندسة هذه المدة الزمنية القصيرة، تُمارَس ما يُسمّى “إدارة حافة الهاوية”، لإصلاح ما تضرّر من العتاد، وتقييم الأداء الميداني، وتحديث بنك الأهداف بمعلومات أكثر دقة، ومن ثمّ إعادة ترتيب الانتشار.
في الحروب ذات الطابع الهجين، حيث تتداخل القدرات التقليدية مع تكتيكات غير متماثلة، يتحوّل الوقت إلى مورد استراتيجي بحدّ ذاته. فكل ساعة هدوء تمنح فرصة لتصحيح الأخطاء، أو لتطوير تكتيك جديد، أو حتى لإعادة تعريف قواعد الاشتباك بطريقة غير معلنة.
لذلك، تبدو الهدنة هنا أقرب إلى “إعادة شحن” لقدرات الطرفين، أكثر منها تجميداً فعلياً للصراع.
لكن الأبعاد لا تتوقف عند الميدان. سياسياً، تعمل الهدنة كصمام أمان جيوسياسي، وغالباً ما تأتي نتيجة توازن دقيق بين الضغوط الدولية والحسابات الداخلية. غير أن هذه الضغوط لا تهدف دائماً إلى حل جذري، بل إلى إدارة الصراع ومنع انفجاره في توقيت غير مناسب.
بهذا المعنى، تتحوّل الهدنة إلى أداة سياسية بامتياز: وسيلة لشراء الوقت، وترتيب تفاهمات غير معلنة، أو انتظار نضوج ظروف إقليمية أوسع. ولا تبقى تداعيات هذه المعادلة محصورة بين لبنان وإسرائيل، بل تدخل المنطقة بأسرها في حالة ترقّب حذر.
إيران تراقب مثل هذه الهدن باعتبارها جزءاً من معادلة الردع الأشمل، حيث يرتبط أي تصعيد أو تهدئة في لبنان بحسابات تتجاوز حدوده الجغرافية. وفي المقابل، تنظر دول الخليج، ولا سيما المملكة العربية السعودية، إلى هذه التطورات من زاوية أمن الطاقة واستقرار الأسواق، إذ إن أي انزلاق نحو مواجهة مفتوحة قد ينعكس مباشرة على البنية التحتية النفطية ومسارات التجارة العالمية.
اقتصادياً، حتى الهدن القصيرة تحمل تأثيرات ملموسة. فالأسواق تتفاعل بسرعة مع أي إشارة إلى التهدئة، لكن هذا التفاؤل يبقى هشاً وقابلاً للانكسار مع أول خرق. في لبنان، الذي يعيش أصلاً أزمة بنيوية عميقة، قد تشكّل الأيام العشرة فسحة لالتقاط الأنفاس، لكنها لا تكفي لإحداث تحوّل فعلي ما لم تترافق مع استقرار أطول. وفي إسرائيل، تُقرأ الهدنة ضمن معادلة أوسع تتعلّق بكلفة الحرب واستدامتها، ما يفتح نقاشاً داخلياً حول جدوى الاستمرار في التصعيد أو إعادة ضبطه.
اللافت في مثل هذه اللحظات هو الفجوة بين الظاهر والمخفي. في العلن: تهدئة، واتصالات دبلوماسية، ورسائل طمأنة. أما في الخفاء: سباق مع الوقت لإعادة التموضع، وربما للتحضير لجولة أكثر تعقيداً. فالتاريخ القريب يُظهر أن الحروب الحديثة لا تتوقف فجأة، بل تمرّ بمراحل من التقطيع الزمني، حيث تتحوّل الهدن إلى فواصل بين جولات متصلة.
من هنا، يمكن طرح السؤال الحقيقي: ماذا سيحدث في اليوم الحادي عشر؟
إذا كانت الأيام العشرة قد استُخدمت لبناء تفاهمات، ولو ضمنية، فقد نشهد انتقالاً إلى مرحلة أقل توتراً، مع قواعد اشتباك أكثر وضوحاً. أما إذا كانت مجرد استراحة تقنية، فإن المنطقة قد تجد نفسها أمام تصعيد أكثر دقة وربما أكثر خطورة، لأن كل طرف يكون قد استغل الوقت لتحسين شروطه.
وعليه، فإن هدنة العشرة أيام ليست نهاية قصة، بل فصل ضمن رواية مفتوحة. هي اختبار لميزان الردع، ولقدرة الدبلوماسية على مواكبة الميدان، ولحدود الصراع في منطقة لا تعرف الاستقرار إلا كاستثناء.
وبين استراحة المحارب وبروفة الحرب، يبقى الشرق الأوسط معلّقاً على تفاصيل صغيرة في هذا الزمن.

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
