دراسة حول الأزمة المصرفية اللبنانية: الفجوة المالية بين التشريع والعدالة

 

الفصل الأول: تمهيد واجب وضروري

ما يواجهه لبنان اليوم ليس ظاهرة طبيعية غامضة كـ«مثلث برمودا» ابتعلت ودائع الناس وأخفتها، ولا هو مجرد نتيجة حتمية لانتفاضة شعبية حصلت في 17 تشرين الأول 2019 وتمّ تحميلها الكثير من الموبقات أكثر مما تتحمل. إنه الوجه الأكثر قسوة لحلقة طويلة من «الإدارة المتعمدة المخالفة للقانون» و«السياسات المالية والنقدية الفاشلة» دون إغفال «الفساد الممنهج» الذي استهدف ثروة اللبنانيين المدخرة في القطاع المصرفي الذي كان يُعتبر عماد الاقتصاد اللبناني.

لطالما حاولت الأوساط السياسية والنقدية والمصرفية النافذة تصوير الأزمة على أنها «نظامية» أو «نتيجة لأزمة مالية عالمية»، في محاولة للتهرب من المسؤولية الشخصية والجزائية. لكن هذه الرواية التي لا تزال مروية تتجاهل الوقائع الثابتة الآتية:

  1. أن النظام المالي انهار بفعل سياسات محلية بحتة، أبرزها «الهندسات المالية» غير القانونية التي ابتدعها مصرف لبنان وجذبت ودائع المصارف التجارية بفوائد خيالية، لتمويل عجز الدولة غير المنتجة (طبعاً لا أحد يتحدث عن الجذب الحاصل للمصارف غير اللبنانية التي لا تستطيع هي نفسها التصريح عمّا فعلته طمعاً بالاستفادة المادية).
  2. أن عمليات سحب وتهريب أموال ضخمة من قبل النخبة السياسية والمالية (كما كشفته فضائح التحويلات بعد 17 تشرين الأول 2019) حصلت بينما كان المواطن العادي محروماً من الوصول إلى مدخراته بحيث تمّ استغلال أحداث الانتفاضة لتغلق المصارف أبوابها على فريقها العامل داخل الغرف وتهريب الأموال إلى الخارج.
  3. أن التدقيق الجنائي الذي أجرته شركة «ألفاريز آند مارسال» على حسابات مصرف لبنان (2015-2020) كشف عن هدر هائل للمال العام وتحويلات غير مشروعة، مؤكداً أن الأموال «لا تتبخر بل تنتقل إلى جيوب الفاسدين».
  4. أن الانحراف كان تطبيقياً وليس تشريعياً؛ فلبنان يمتلك منظومة قانونية يمكن من خلالها معالجة الأزمة لو أُريد تطبيقها بحياد (كقانون النقد والتسليف وقانون الموجبات والعقود وقانون مكافحة تبييض الأموال).

إن أي حل حقيقي وجدّي، لا زال بعيد المنال لأنه يفترض الدخول بتحديات مع حيتان المال والسلطة، لكن هكذا حل يجب أن ينطلق من «كشف الحقيقة كاملة وتحديد المسؤوليات الشخصية ومحاسبة المخطئين»، أما الإمعان في محاولات توزيع الخسائر على كاهل الضحايا (المودعين) عبر قوانين يتم تجميل تسمياتها لتلاقي قبولاً شعبياً ودولياً على غرار «الفجوة المالية» فإنما هدفها الأساس هو «تشريع السرقة» وإضفاء الشرعية على الوضع القائم.

هذه الدراسة تهدف إلى تفكيك الرواية الرسمية عشية الحديث عن قرب إقرار «قانون الفجوة المالية» ومحاولة تمرير القانون على عجالة مع تجاهل متعمد لكل الأصوات المعارضة، لكننا نعرض مقاربة بديلة قائمة بأسلوب علمي ينفع ليكون حجر الأساس لإطلاق ورقة عمل إصلاحية قائمة على العدالة وسيادة القانون، من قبل من يمتهنون إقامة الندوات وورشات العمل وإطلاق المشاريع بعد استحصالهم على التمويل اللازم من الجهات الداعمة.

الفصل الثاني: الاستعراض التاريخي والتحليلي للأزمة (بالأرقام والسياقات)

لم تنشأ ما تريد الطبقة السياسية أن نطلق عليه تسمية «الفجوة المالية» بين ليلة وضحاها، بل هي نتيجة تراكمية لثلاثة عقود من السياسات الاقتصادية الريعية وسوء الإدارة النقدية والفساد الممنهج تحت غطاء من التواطؤ بين السلطة السياسية والنقدية والمصرفية.

  1. مراحل تكوّن الأزمة
  • مرحلة 1993 – 2000: خلال هذه الفترة تم الاعتماد من قبل الدولة على الاقتراض الداخلي والخارجي المكثف لتمويل إعادة الإعمار والإنفاق الجاري (الذي تجاوز 65% من الموازنات على الرواتب والدعم) دون استثمارات إنتاجية حقيقية.
  • مرحلة 2000-2005: تحوّلت السياسة النقدية إلى أداة سياسية لتمويل الولاءات وتثبيت النفوذ وبداية سياسة جذب الودائع عبر الفوائد العالية.
  • مرحلة ما بعد 2005 (اغتيال الرئيس رفيق الحريري) -2011: دخول النظام اللبناني في شلل سياسي مع تراجع الاستثمارات وتآكل الاحتياطي النقدي كما تعزيز الطابع الريعي للاقتصاد.
  • مرحلة 2011 – 2016 (آثار الحرب السورية): حصل تدفق مهول للّاجئين السوريين إلى لبنان دون ضوابط من قبل الدولة اللبنانية كما فعلت سائر الدول وارتفاع الطلب على الدولار الأميركي وبداية الضغوط على سعر الصرف.
  • المرحلة 2016-2020: جرى إطلاق سياسة «الهندسات المالية» من قبل مصرف لبنان بقيادة حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة. هذه الآلية جذبت ودائع المصارف التجارية بفوائد خيالية (تصل إلى 15-20% سنوياً) مقابل إيداعها لدى المصرف المركزي، الذي استخدمها لتمويل عجز الدولة وشراء سندات الخزينة (اليوروبوندز). ومع هذه السياسات تحولت المصارف التجارية في لبنان من مقرضين للاقتصاد المنتج إلى وسطاء يجمعون الودائع لتوجيهها نحو الدولة عبر مصرف لبنان في دائرة مغلقة غير منتجة أملاً بتحقيق أرباح مهولة ناتجة حصراً عن التضخم وسوء السياسات النقدية.
  1. حجم الكارثة بالأرقام
  • الودائع: بلغت ذروتها في العام 2018 حيث بلغت بحسب الاقتصاديين قرابة 170 مليار دولار. اليوم، وبحسب تقديرات الاقتصاديين فإن ما تبقى منها يتراوح ما بين 75 الى 90 مليار دولار أي أنها فقدت حوالي نصف قيمتها.
  • الاحتياطيات الأجنبية: انخفضت من 36 مليار دولار عام 2015 إلى أقل من 12 مليار دولار حالياً ولعل الرقم الصحيح هو أقل من هذا المبلغ بكثير.
  • الفجوة المالية (العجز أو السرقة): تقدّر قيمتها ما بين 70 و82 مليار دولار (ما يعادل 330% من الناتج المحلي الإجمالي)، وهي ناتجة عن الفرق بين التزامات المصارف ومصرف لبنان للمودعين، وما يملكونه فعلياً من أصول سائلة.
  • خسائر «الهندسات المالية»: كشف تقرير «ألفاريز آند مارسال» أن كلفتها بلغت 76 مليار دولار، كان المصرف المركزي يعترف بـ 56 مليار دولار منها فقط، مخفياً الباقي في بند «موجودات أخرى».
  • الدين العام: تجاوز 280% من الناتج المحلي الإجمالي.
  • إنهيار سعر الصرف: فقدت الليرة اللبنانية أكثر من 95% من قيمتها مقابل الدولار.
  1. الأطراف الرئيسيون ودرجة المسؤولية
  • الدولة اللبنانية: اتكلت لفترة طويلة من الزمن على الإنفاق الجاري غير المنتج، ما أدى الى تراكم العجز المزمن. تبع ذلك وكنتيجة طبيعية ومتوقعة اتخاذ القرار في مجلس الوزراء بالتخلف عن سداد سندات اليوروبوندز (2020). يجب عدم إغفال تغاضي الدولة لوقت طويل عن عمليات إهدار المال العام لا بل والمشاركة فيه بعلم أحياناً (المثال الأكثر وضوحاً بالنسبة للبنانيين يتمثل في دعم قطاع الكهرباء الذي كلف الدولة ما يزيد عن 46 مليار دولار بحسب تقرير ألفاريز آند مارسال).
  • مصرف لبنان (بقيادة الحاكم السابق رياض سلامة الملاحق قضائياً): إن «الهندسات المالية» غير القانونية والمخالفة لقانون النقد والتسليف التي أصدرها الحاكم أدت إلى توجيه الودائع لتمويل عجز الدولة بدلاً من حفظها كاحتياطي. وفي بدء الأزمة فإن إصدار تعاميم استثنائية (مثل 151، 158) لـ«تصفير» عجز المصارف على حساب المودعين كان من الأخطاء القاتلة والجسيمة. كل ذلك حصل في ظل توزيع أموال على شاكلة دعم بشكل تمييزي على هيئات وأشخاص وإعلاميين مقربين لتلميع الصورة العامة لما هو قائم.
  • المصارف التجارية: لقد تخلت المصارف اللبنانية عن دورها المحوري كممول للاقتصاد الوطني الحقيقي والمنتج، وتوجهت نتيجة الجشع وراء أرباح «الهندسات المالية» قصيرة الأجل دون إدارة ممتهنة للمخاطر. ويجب عدم إغفال تورطها في تنفيذ تحويلات ضخمة للخارج قبل وبعد انتفاضة 17 تشرين الأول 2019 مع فرضها قيوداً غير قانونية على ودائع المودعين العاديين.
  • الجهاز الرقابي (هيئة الرقابة على المصارف): لقد فشلت هذه الهيئة فشلاً ذريعاً في الرقابة الفعلية على سياسات المصارف ومصرف لبنان. ولم تجبر أحداً ممن تراقبهم من اتخاذ إجراءات وقائية رغم التحذيرات العديدة الصادرة من هيئات اقتصادية محلية ودولية.
  • القضاء والجهات التنفيذية: إن عدم تطبيق القوانين المرعية الإجراء (مثل قانون النقد والتسليف، قانون الموجبات والعقود) لا سيما التطبيق الصارم لقانون العقوبات، كلها عوامل أدت الى تأخير وعرقلة إطلاق التحقيقات والمحاكمات الجدية التي كان بإمكانها أن تكون رادعة.
  1. خرق القانون والمعايير
  • خرق قانون النقد والتسليف: لا سيما المواد التي تحدد وظيفة المصرف المركزي وتحظر القروض المباشرة للحكومة إلا بشروط صارمة (مادة 80 وما يليها).
  • خرق قانون الموجبات والعقود: العقد بين المودع والمصرف واضح ويشير إلى التزام المصرف برد الوديعة عند الطلب. أما القيود المفروضة على الحسابات فكانت كلها قيود غير قانونية.
  • خرق مبادئ الحوكمة والاستقلالية: لقد تم حصر السلطات بيد حاكم مصرف لبنان (رئاسة المجلس المركزي، الهيئة المصرفية العليا، هيئة التحقيق الخاصة…) كما أشار تقرير ألفاريز آند مارسال وحيث تكون السلطة مطلقة تكون المفسدة مطلقة.
  • خرق المعايير الدولية: لم يتم احترام مبادئ بازل للإشراف المصرفي، ولم يتم التقيد بالموجبات المفروضة لمكافحة تبييض الأموال، وتم التخلي عن موجب حماية المودعين.
  1. التبعات الاجتماعية والاقتصادية
  • تجميد مدخرات مئات الآلاف من العائلات، وفقدان الثقة بشكل كامل بالنظام المالي.
  • انهيار القدرة الشرائية ووصول معدلات الفقر إلى مستويات كارثية.
  • تدمير الطبقة الوسطى وهجرة الكفاءات.
  • تحول المعاملات المالية إلى القنوات غير المصرفية (مثل OMT، Whish Money وسواها من شركات الأموال) ما كان يفترض به تهديد القطاع المصرفي التقليدي بالانهيار بشكل دائم قبل أن يكتشف اللبنانيون أن شركات الأموال كانت رديفاً للمصارف وبعلمها وفي معظم الأحيان كان مالكو شركات الأموال هم أصحاب المصارف أنفسهم.

إن الأزمة المالية والنقدية في لبنان لن تكون «نظامية» بالمعنى التقني الدولي (أي ناتجة عن صدمة خارجية غير متوقعة)، بل هي «أزمة مفتعلة» ناتجة عن أخطاء بشرية وهي أخطاء متوقعة وممنهجة مع تواطؤ واضح ما بين القيمين على هذه الأخطاء والنخب الحاكمة في البلاد. لذلك، إن أي حل لا يبدأ من «المحاسبة الشخصية» و«استعادة الأموال المنهوبة»، يكون مجرد تكريس للجريمة وتشريعها والسماح لمرتكبيها بالإفلات من العقاب وتوزيع الأعباء الناتجة عنها على الضحايا.

 

الفصل الثالث: مقاربة قانونية تتعلق بتحليل التشريعات وموقف المجتمع الدولي

يُظهر تحليل المستندات القانونية والمواقف المطروحة تناقضاً صارخاً بين الرواية الرسمية التي تتبناها السلطات اللبنانية، والمبادئ القانونية الدولية التي يصر عليها صندوق النقد الدولي والمجتمع المالي العالمي. هذا الفصل يحلل الإطار التشريعي الحالي والمقترح، ويفكك مواقف الأطراف المختلفة.

  1. تحليل قانون إصلاح وضع المصارف وإعادة تنظيمها (رقم 23 تاريخ 14 آب 2025)

هذا القانون، رغم أنه يهدف لوضع إطار «حديث» لمعالجة تعثر المصارف إلا أنه يحمل في طياته إشكاليات جسيمة، كما أشارت إليها ملاحظات الخبراء القانونيين والماليين.

  • المادة 1  من القانون التي يتم فيها تعريف «الودائع» يدمج بين الودائع الاستثمارية والودائع العادية، مما قد يخلق لبساً حول حمايتها. بما يؤدي إلى إخراج «الودائع من داخل الميزانية» الناجمة عن عقود ائتمانية من فئة الودائع المحمية، مما يضر بعملاء الوساطة المالية العاديين. كما أن تعريف الوديعة يتضمن محاولة لإعادة تعريف العلاقة التعاقدية لصالح المصارف مما يخالف المعيار الدولي في تعريف الوديعة المحمية.
  • المادة 3 من القانون التي تتحدث عن الأهداف، يتم فيها ذكر عبارة «الحد من استخدام الأموال العامة» كهدف. طبعاً ان هذه العبارة مرفوضة من الناحية القانونية، ففي أزمة ناجمة عن تقصير الدولة ومصرفها المركزي، يصبح هذا الهدف وسيلة للتهرب من المسؤولية المالية للدولة تجاه النظام الذي أفلسته.
  • المادة 7 التي تشير إلى البدء بعملية الإصلاح أو التصفية، تتيح أن يكون قرار التصفية متخذاً بناءً على تقييم مؤقت من لجنة الرقابة وقبل التقييم المستقل النهائي. وهذا الإجراء من شأنه التهديد بمصادرة حقوق المصرف ومساهميه ودائنيه دون ضمانات الإجراءات القضائية الواجبة.
  • المادتان 16 و 17 اللتان تشيران إلى صلاحيات الهيئة المصرفية العليا (التي يرأسها حاكم مصرف لبنان) فإنهما تتيحان سلطات مطلقة مؤدية إلى «السيطرة» دون رقابة قضائية فورية وفعالة. الأمر الذي يتم معه تكريس حالة تعارض المصالح، فالحاكم بات «الخصم والحكم»، خاصة أن مصرف لبنان طرف أساسي في الأزمة. دون إغفال أن هذا الأمر ينتهك مبدأ الفصل بين السلطات واستقلالية القضاء.
  • المادتان 19 و 21 اللتان تشيران إلى تعيين المدير المؤقت من قبل الهيئة دون استشارة حقيقية لإدارة المصرف، ومنحه سلطات «غير مقيدة». فمن شأنه أن يفتح الباب لتسييس الإدارة وتعسفها، ويقوض استقرار المؤسسة أثناء عملية الإصلاح المفترضة.
  • المادتان 22 و 23 تشيران إلى أهداف التصفية وإجراءاتها والهدف المعلن هو «تحسين المنفعة للدائنين ككل» وليس حماية المودعين كأولوية. لهذا نرى أن إجراءات الحجز على أموال المسؤولين تتم بمجرد «الاشتباه» دونما صدور أي قرار قضائي مبرم. وهذا يتناقض مع الهدف المعلن في المادة 3 أي حماية الودائع كما ينتهك قرينة البراءة والحق في الملكية.
  • المادتان 29 و 32 تشيران إلى وجود محكمة خاصة مع حرمان القرارات الإدارية للهيئة من أي طريق للمراجعة القضائية العادية، مما يسلب حق التقاضي وهو حق دستوري أساسي جاعلاً من هذه الهيئة سلطة فوق القانون.
  • المادة 35 تمنح الحصانة القانونية شبه المطلقة لأعضاء الهيئة والمدير المؤقت والمصفين إلا في حالات «سوء النية أو الاحتيال أو الخطأ الفادح». وهذا من شأنه أن يخلق حالة من «الإفلات من العقاب» للمسؤولين عن تنفيذ عمليات مصيرية ويثني عن المساءلة.
  • المادة 37 المتعلقة بسريان القانون تعلق تنفيذ القانون لحين إقرار قانون «الانتظام المالي واسترداد الودائع» مما يجعل القانون ناقصاً وغير قائم بذاته، وينتظر قانوناً آخراً لتطبيقه علماً أن القانون الجديد قد يأتي بمفاهيم مخالفة (مثل شطب الودائع).

إن قانون إصلاح وضع المصارف في لبنان وإعادة تنظيمها، يبني هيكلاً سلطوياً مركزياً بيد مصرف لبنان لتقليص الضمانات القضائية، ويهيئ الأرضية لقرارات جذرية (من شطب إلى تحويل) بما ينتهك حقوق المودعين والدائنين تحت ستار «الإصلاح».

  1. تحليل مقاربات قانون «الفجوة المالية» (الانتظام المالي واسترداد الودائع) في ضوء التطورات الأخيرة

تستمر المناقشات والمسودات المتسربة حول هذا القانون في الكشف عن صراع جوهري بين روايتين ومقاربتين متعارضتين، وقد اتضحت ملامح هذا الصراع بشكل أكبر مع التطورات التي تم تسريبها في شهري تشرين الثاني وكانون الأول من العام 2025.

أولاً: المقاربة الرسمية ومحاولات ترسيخ الرواية النظامية

لا تزال الآلية الأساسية للمقاربة الرسمية (الحكومة / مصرف لبنان) كما وردت سابقاً، مع ظهور مؤشرات جديدة:

  • التركيز على الجانب «الفني» والتهرب من المسؤوليات الفردية: لا تزال المقاربة الرسمية تروج لفكرة أن الحل هو «تقني» بحت، يتعلق بتقليص حجم الفجوة الرقمية (من ~80 مليار دولار إلى ~40 مليار دولار) لتصبح مطابقة للأصول المتبقية (الذهب والاحتياطات الشحيحة)، مع تجنب أي حديث عن المساءلة الشخصية أو استرداد الأموال المنهوبة.
  • المسار التشريعي المسيّس: أظهرت عملية صياغة القانون إقصاءً متعمداً للأصوات التقنية المستقلة. حيث غادر الخبراء القانونيون والمصرفيون المستقلون لجنة الصياغة بسبب رفض تعديلاتهم التي هدفت لحماية المودعين، مما يشير إلى أن المسودة النهائية أعدت بمعزل عن هذه الاعتبارات وبمشاركة حصرية تقريباً من مصرف لبنان ووزارة المال. هذا يدعم فرضية أن القانون يُصمم لخدمة إطار مؤسسي يكّرس الوضع الشاذ القائم.
  • الضغط لتمرير القانون رغم الجدل: تستمر المحاولات لإقرار القانون، على الرغم من استمرار الجدل حول بنوده الأساسية، مثل إعادة احتساب الفوائد بأثر رجعي ووضع معايير غير واضحة للتمييز بين المودعين. هذه البنود الغامضة تترك هامشاً كبيراً للتطبيق التعسفي.
  • رد الفعل على الضغط القضائي: يأتي التحرك القضائي الأخير للنائب العام المالي، القاضي ماهر شعيتو، الذي طالب المصارف بكشوفات حسابات مفصّلة لمسؤوليها وعائلاتهم للفترة الحرجة (تموز 2019 – كانون الثاني 2023)، كرد فعل مضاد واضح للمقاربة الرسمية. حيث يهدد هذا الطلب السردية التي تروج لها المصارف ومصرف لبنان بأن الأزمة «نظامية» وناتجة عن خلل في علاقة الدولة بمصرف لبنان، ويحول البوصلة نحو التحقيق في الأفعال الجزائية الفردية والتحويلات المشبوهة.

ثانياً: الإفصاحات غير المقصودة ومغالطات الفاعلين الرئيسيين

ألقى الظهور الإعلامي الأول للحاكم السابق رياض سلامة بعد خروجه من السجن الضوء على تناقضات داخلية في الرواية الرسمية:

  • دفاع غير مقنع عن «النموذج»: محاولة سلامة الدفاع عن سياسته ووصفها بـ«النموذج الناجح» الذي أدخل 450 مليار دولار، تتناقض صراحة مع التوصيف الدولي لها. حيث وصفها كل من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بأنها «مخطط بونزي» (Ponzi Scheme) يعتمد على دفع فوائد المودعين القدامى بودائع الجدد، في غياب أي نمو إنتاجي حقيقي.
  • كشف مالي خطير: في محاولة للدفاع عن أدائه، كشف سلامة بشكل غير مقصود أن مصرف لبنان «رد كل الفريش دولار التي استلمها من القطاع المصرفي بين 2017 و2023 وفوقها 35 مليار دولار». هذا الاعتراف يثير تساؤلات حرجة: لمن تم رد هذه الأموال الطائلة أثناء الأزمة؟ وهل استخدمت لسداد ديون كبار المودعين والمقربين على حساب صغار المودعين؟ ما هي الآلية التي تم بها توزيع هذه السيولة النادرة؟ وهل كانت عادلة أم تمييزية؟ كيف يتناسب هذا الرد مع شح السيولة الذي تسبب في تجميد حسابات المودعين العاديين؟
  • محاولة تبرير التحويلات الكبيرة: إنكار سلامة قدرته على وقف أو تقييد تحويلات كبار السياسيين والمصرفيين إلى الخارج يتناقض مع الصلاحيات الواسعة التي كان يتمتع بها والوثائق التي تثبت علمه وإصداره تعاميم مقيدة (مثل التعميم 151). هذا التناقض يؤكد فرضية التواطؤ أو التقاعس المتعمد في حماية أموال المودعين.

ثالثاً: المقاربة البديلة وتصاعد الضغوط من أجل العدالة

تكتسب المقاربة البديلة (المطالبة بالعدالة / رأي الخبراء المستقل) وهي تحتاج اليوم الى دعم من الرأي العام لتكتسب زخما من خلال مسارين متوازيين:

  1. المسار القضائي التحقيقي: يمثل طلب النائب العام المالي للحصول على كشوفات حسابات مفصّلة أول خطوة جادة نحو تفكيك «جدار السرية» الذي حافظت عليه المصارف. إن توسيع نطاق التحقيق ليشمل عائلات المسؤولين ومديري الفروع يهدف إلى تتبع مسارات الأموال المعقدة والتحويلات غير المباشرة. رد فعل المصارف (القلق البالغ وعقد الاجتماعات الطارئة) هو الدليل الأقوى على أن هذا المسار يهدد مصالح النخبة المصرفية بشكل مباشر.
  2. المتطلبات الدولية (صندوق النقد): تؤكد التطورات الأخيرة أن موقف صندوق النقد الدولي لم يتزحزح. فمطالبته بـ «مزيد من الضرائب» كما أعلن وزير المالية، يتم فهمها في سياقها الصحيح: ليست ضرائب استهلاك جديدة على المواطن البسيط، بل إصلاح النظام الضريبي لتحقيق العدالة من خلال فرض ضرائب مباشرة على الدخل والثروة وتوسيع قاعدة التحصيل، مع ربط أي دعم مالي بتحقيق شفافية كاملة وتدقيق شامل وتحديد المسؤوليات. باختصار، يرفض الصندوق أن تكون المحاسبة والاسترداد اختيارية، بل هي شرط أساسي لأي اتفاق.

وتجدر الإشارة إلى أن تمسك صندوق النقد بهذا الموقف يتوافق مع مبدأ التراتبية العالمي لحملة الخسائر كما هو مُفصّل في الملحق رقم 1 من قانون إصلاح المصارف نفسه، لكن مع تطبيقه بشكل صحيح، أي البدء بشطب رؤوس أموال المساهمين (المرتبة 1 و2 و3 في الملحق)، وليس العبور مباشرة إلى شطب ودائع المودعين (المرتبة 5 و6 والأخيرة). إن رفض الصندوق لقانون الفجوة المالية هو رفض لتطبيق هذه التراتبية بشكل معكوس يبدأ من الضحايا.

تُظهر التطورات الأخيرة أن الأزمة دخلت مرحلة المواجهة المباشرة بين منطق التستر والتسوية السياسية الذي تجسده مسودة قانون الفجوة المالية والمقاومة الشديدة للمساءلة القضائية، ومنطق الكشف والمساءلة القانونية الذي يمثله التحرك القضائي الجديد والمطالب الدولية الثابتة.

المشكلة لم تكن يوماً في غياب التشريعات بل في الانحراف التطبيقي لها وعدم الركون لما هو متوافر من قوانين قادرة على اجتراح الحلول اعمالا لمبدأ الشرعية وإرساء لوجود دولة القانون في لبنان (قانون النقد والتسليف، قانون الموجبات والعقود، اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد كانت أدوات صالحة للانطلاق في الاصلاح والمحاسبة)، لكن الإصرار غير المفهوم (أو لعله بات مفهوماً) على تشريع قوانين جديدة تكرّس هذا الانحراف القانوني الذي تتحمل مسؤوليته السلطة القضائية المتأثرة دائماً بوابل الضغوط السياسية من أجل إضفاء الشرعية على نتائج سياسات فاشلة وربما إذا تمّ التمحيص فيها وتدقيقها لوجدنا أنها ارتكزت على أفعال جرمية يستحق عليها كثير من رجال الدولة العقاب والملاحقة القانونية. ان أي حل حقيقي يجب أن يبدأ بالاستجابة للطلب القضائي المستجد والصادر عن النائب العام المالي بكشف الحسابات، ومحاسبة كل من تورط في التحويلات المشبوهة بعد تموز 2019، واسترداد الأموال المنهوبة. فبدون هذه الخطوة، سيكون أي قانون للإصلاح مجرد إطار لتوزيع الخسائر على الضحايا تحت غطاء من الشرعية الزائفة.

 

الفصل الرابع: سبل العلاج المقترحة – نحو مقاربة عادلة ومستدامة

بناءً على التحليل التاريخي والقانوني السابق، من الواضح أن الحلول الرسمية المطروحة (قانون إصلاح المصارف، قانون الفجوة المالية) ليست فقط غير عادلة، بل إنها تكرّس الظلم وتدفع بالبلاد نحو مستقبل مالي أكثر هشاشة. يتطلب الخروج الحقيقي من الأزمة مقاربة جذرية تقلب معادلة تحميل الضحايا الأعباء، وتعيد بناء النظام على أسس المساءلة، العدالة، وسيادة القانون.

تتكون هذه المقاربة من خمسة مسارات متوازية ومتكاملة، تشكل حزمة علاجية شاملة.

المسار الأول: المحاسبة القضائية واسترداد الأموال المنهوبة (الشرط الأساسي)

لا يمكن بناء أي ثقة أو إصلاح مالي على جثث المساءلة. يجب البدء فوراً بما يلي:

  1. تفعيل وتوسيع نطاق التحقيق جزائياً:
  • إزالة القيود التعاقدية التي فرضتها شركة «ألفاريز آند مارسال» على استخدام تقريرها قضائياً.
  • توسيع التحقيق ليشمل جميع السنوات حتى اليوم وليس فقط 2015-2020.
  • فتح تحقيقات جزائية مستقلة في كل التحويلات الكبيرة التي غادرت البلاد قبيل انتفاضة 17 تشرين الأول 2019، بمن فيهم كبار المساهمين والمدراء والسياسيين والمقربين منهم.
  • مصادرة الأصول المشبوهة ووضع اشارات الحجز الاحتياطي على أملاك المشتبه بهم والمصارف اللبنانية بانتظار الفصل في القضايا قيد التدقيق.
  1. التعاون الدولي لاستعادة الأموال:
  • تفعيل اتفاقيات المساعدة القانونية المتبادلة ومكافحة الفساد مع الدول الأوروبية والأمريكية والسويسرية حيث توجد أموال مهربة.
  • تشكيل لجنة وطنية-دولية مشتركة لمتابعة استرداد الأموال، تضم خبراء قضائيين وماليين دوليين معترف بهم لضمان الشفافية والمصداقية.
  • محاسبة المسؤولين في مصرف لبنان والمصارف.
  • ملاحقة مدنية وجزائية لكل من تورط في الهندسات المالية المخالفة للقانون، وإصدار التعاميم المجحفة (مثل 151، 158 … الخ) والتحويلات التمييزية.
  • تطبيق العقوبات المنصوص عليها في قانون النقد والتسليف وقانون التجارة وقانون مكافحة الفساد.

المسار الثاني: تطبيق القانون الحالي وإلزام الدولة ومصرف لبنان بدفع التزاماتهما

  • تطبيق المادة 113 من قانون النقد والتسليف: التي تلزم الدولة بتحمل الخسائر القانونية لمصرف لبنان الناتجة عن الأعمال القانونية. يجب على الدولة الاعتراف بمسؤوليتها عن الخسائر الناجمة عن سياساتها، والتفاوض على آلية سداد لمستحقات المصارف لدى المصرف المركزي.
  • رفع الدعاوى القضائية الجماعية: باسم المودعين (الذين عليهم أن يتوحدوا بعيداً عن المجموعات التي تلاعبت بهم يمنة ويسرة لتحقيق مصالح خاصة فهذا الشتات في مصيبة جامعة غير مفهوم ولا بد من احتضان مؤسساتي لهذه القضية – نقابتي المحامين في بيروت وطرابلس قد تكونان مرجعاً مؤسساتياً صالحاً إن حسنت النوايا وصدق العمل)، ضد المصارف ومصرف لبنان لمطالبتهم بتنفيذ العقد الأساسي (رد الوديعة). هذا ما يخلق ضغطاً قانونياً هائلاً ويقطع الطريق على محاولات «التسوية» السياسية المجحفة.
  • إلغاء التعاميم غير القانونية: إبطال مفعول جميع التعاميم التي فرضت قيوداً على الودائع دون سند قانوني سليم، والعودة إلى حكم القانون الأساسي.

المسار الثالث: إعادة هيكلة القطاع المصرفي وفق معايير دولية حقيقية

بعد استعادة جزء من الأموال ومحاسبة المذنبين، تتم إعادة الهيكلة بعد تحديد حجم الخسائر الحقيقية، ووفق الترتيب التالي:

  1. تصنيف المصارف عبر تقييم مستقل ونزيه:
  • مصارف قابلة للاستمرار، هي تلك التي لا تزال أصولها الجيدة (خارج أصول الدولة/المصرف المركزي) كافية لتغطية جزء كبير من التزاماتها بعد استعادة الأموال المهربة.
  • مصارف قابلة للرسملة هي تلك التي تحتاج إلى ضخ رأسمال جديد فيها لتستمر.
  • مصارف يجب تصفيتها لأنها غير قابلة للإنقاذ.
  1. تراتبية تحمل الخسائر (كما يطالب صندوق النقد).
  2. شطب كامل رؤوس أموال مساهمي المصارف (الملاك) إلى الصفر، كون هؤلاء هم أول من يجب أن يتحملوا نتيجة المخاطرة المصرفية.
  3. شطب كافة الأدوات المتعلقة بالديون والناتجة عن الهندسات المالية الهجينة التي أصدرتها المصارف.
  4. تصنيف الديون بين مضمونه وغير مضمونه بعد التدقيق في أصحابها والضمانات المقدمة منهم.
  5. حماية مجتمعية لودائع صغار المودعين (حتى 100,000 دولار) فهذه الودائع هي جنى أعمار الطبقة المتوسطة أو الفقيرة ولا بد من أن تحمى بالكامل ولا تمس، سواء عبر ضمان الدولة أو المؤسسة الوطنية لضمان الودائع بعد إصلاحها.
  6. إصلاح المؤسسة الوطنية لضمان الودائع لجعلها مستقلة تماماً عن جمعية المصارف والحكومة، وتمويلها بشكل حقيقي.
  7. إصلاح حوكمة مصرف لبنان عبر فصل السلطات فيه، إنشاء لجنة للسياسة النقدية مستقلة، تحديد ولايات الحاكم، وضمان الشفافية الكاملة.

 المسار الرابع: إصلاح اقتصادي-مالي هيكلي يقطع مع النموذج الريعي

  1. السعي لإيجاد معيار علمي قادر على تثبيت وتوحيد سعر الصرف ضمن إطار مرن وشفاف، ووضع خارطة طريق لإلغاء جميع القيود على تحرير رأس المال بشكل تدريجي وآمن.
  2. إصلاح المالية العامة من خلال خفض العجز الهيكلي عبر تقليص الهدر وزيادة الإيرادات من خلال عدالة ضريبية ومكافحة التهرب، وليس عبر ضرائب جديدة على الطبقة المتوسطة والفقيرة.
  3. إعادة توجيه الائتمان، وهذا يتم من خلال إلزام المصارف المُعاد هيكلتها نسب إقراض إلزامية للقطاعات الإنتاجية (الصناعة، الزراعة، التكنولوجيا، المشاريع الصغيرة والمتوسطة).
  4. إنشاء صندوق سيادي لإدارة أصول الدولة (أراضي، مرافق…) بشكل احترافي وشفاف، لتحقيق عوائد تدعم الخزينة دون هدر المال العام.

المسار الخامس: إطار زمني وآليات تنفيذ ذات مصداقية

  1. هيئة تنفيذية مستقلة: تشكيل هيئة وطنية للإصلاح المالي والمصرفي، ذات صلاحيات تنفيذية واسعة، وتتألف من خبراء لبنانيين ودوليين معترف بنزاهتهم، وتعمل تحت رقابة قضائية وبرلمانية صارمة. ويمكن الاستناد في تشكيلها إلى نماذج ناجحة مثل «هيئة إدارة الأصول الوطني (NAMA)» في إيرلندا، التي أشرفت على تصفية الأصول السامة بعد أزمة 2008 بشفافية وكفاءة. كما يمكن أن تتم آلية ترشيح الخبراء الدوليين عبر مؤسسات محايدة ومعترف بها عالمياً، مثل الأمم المتحدة أو البنك الدولي، لضمان الحياد التام والكفاءة الفنية.
  2. جدول زمني ملزم ومعلن: وضع خريطة طريق واضحة مع مؤشرات أداء لكل مرحلة (مثلاً: 6 أشهر لاستكمال التحقيقات واسترداد أول دفعة من الأموال، 12 شهراً لإنهاء إعادة الهيكلة…).
  3. الشفافية المطلقة: نشر جميع التقارير والبيانات والعقود المتعلقة بالعملية للرأي العام.
  4. تمكين القضاء المالي: دعم النيابة العامة المالية لتسريع الفصل في القضايا ذات الطابع المالي المعقد.

 

الخاتمة: بين خيارين تاريخيين

 يواجه لبنان خيارين لا ثالث لهما.

  1. الخيار الأول (الرسمي الحالي): تمرير قوانين «الفجوة المالية» و«إصلاح المصارف» التي تشكل وصفة لإضفاء الشرعية على السرقة. هذا الخيار يعني:
  • شطب مدخرات الشعب رسمياً.
  • إفلات جميع الفاسدين والمتسببين من العقاب.
  • تدمير نهائي لثقة اللبنانيين والمجتمع الدولي بلبنان كدولة يُحترم فيها القانون.
  • بقاء الاقتصاد الوطني في حالة موت سريري، مع هجرة مستمرة وهيمنة القطاع المالي غير المنظم.
  • ضياع أي أمل بالحصول على دعم مالي دولي جدي واستمرار الانبطاح السياسي للطبقة الحاكمة أمام طلبات الخارج القائمة على فرض الأجندات الخارجية.
  1. الخيار الثاني (المقاربة العادلة): اعتماد مقاربة العدالة والمساءلة أولاً. هذا الخيار يتطلب إرادة سياسية حقيقية وشجاعة، لكنه السبيل الوحيد لـ:
  • استعادة جزء كبير من الحقوق المسلوبة.
  • إرساء رسالة تاريخية مفادها أن الجريمة لا تمر.
  • إعادة بناء الحد الأدنى من الثقة بين الدولة والمواطن، وبين لبنان والعالم.
  • تأسيس نظام مالي ومصرفي جديد، رصين وخاضع للمساءلة، يمكن أن يكون أساسًا لتعاف اقتصادي حقيقي.
  • فتح الباب أمام اتفاقيات دعم دولية حقيقية وطويلة الأمد.

الأزمة ليست مالية فحسب، بل هي أزمة شرعية سياسية وقضائية وأخلاقية. الحل التقني لنظام أفلس أخلاقياً وقانونياً هو إعادة البناء على أساس صحيح. القوانين المقترحة اليوم تحاول أن تبني سقفاً جديداً على أنقاض لم تُقمَع بعد. هذا مستحيل.

الدرس المستفاد من تجارب دول أخرى (كأيسلندا) أن الشفافية والمحاسبة واستعادة الأموال كانت المدخل الوحيد الناجح لاستعادة الثقة والاستقرار ولبنان ليس استثناء على هذه القاعدة.

التحدي الحقيقي ليس في صندوق النقد، ولا في حجم الفجوة، بل في الإرادة السياسية لمواجهة شبكة المصالح التي ترفض المحاسبة وتراهن على استمرار إنهاك الشعب حتى القبول بأي حل، مهما كان مجحفاً. مهمة المجتمع المدني والقوى النزيهة ووسائل الإعلام الحرة هي فضح هذه المقاربة وفرض البديل العادل. الوقت ليس في صالح الضحايا، لكن الحق والمنطق الدولي في صفهم.

اليوم، يختصر الصراع في لبنان إلى معادلة واحدة حاسمة، إما العدالة والمستقبل عبر الكشف والمحاسبة أو الإفلات من العقاب والانهيار التام عبر تشريع السرقة. الكرة الآن في ملعب الرأي العام اللبناني وقدرته على تنظيم ضغط شعبي موحّد وذكي بعيداً عن الشعبوية والأنانيات والمصالح الخاصة، وتحويل هذه الدراسة التي تشكل خارطة طريق لفهم ما جرى وما يحاك من حبر على ورق إلى خطة عمل للتحرّر المالي.

 

مقالات الكاتب

د. جاد طعمه

محامٍ لبناني وأستاذ قانون، حاصل على شهادة الدكتوراه في الحقوق، وعضو فاعل في المشهد الحقوقي والقانوني، حيث يكتب في الشؤون القانونية وينخرط في مبادرات مكافحة الفساد والدفاع عن الحقوق العامة.