بين «الواقعية» المنفصلة عن القانون و«النهب المنظم» تحت ستار الحوار

بعد أن أخذ موضوع نقاش «مشروع قانون الفجوة المالية» الذي أقرّته الحكومة مداه الواسع في التحليل والنقاش على المستوى العام، وانكشف صراع قائم وشرس بين «الاقتصاديين» أدعياء الركون إلى «الواقعية»، و«القانونيين» الذين يقولون إن الوضع الشاذ القائم يمكن مواجهته وإيجاد الحلول القانونية له من خلال تطبيق ما هو متوافر من نصوص وآليات، لأن الدستور والقوانين، ولا سيما قانون النقد والتسليف وقانون الموجبات والعقود فضلًا عن قانون العقوبات، ليست ترفًا فكريًا، ولا مبررًا للشعور بالعجز التام ما لم يتم إقرار قانون جديد، ولأن الحل القاسي الذي يرتدّ على القطاع المصرفي، غير المؤهل لثقة معظم اللبنانيين باستثناء المنتفعين، يبقى حلًا قانونيًا؛ وقد تلاقى نقيب المحامين في بيروت مع هذا الطرح، كما نقابات المهن الحرة.

رغم ذلك، وكلما اشتد الخناق على جمعية المصارف وأعضاء النادي السياسي من خلال مواقف ودراسات تتماهى مع الفكر القانوني الرشيد، يخرج علينا قانونيون بطروحات شديدة الخطورة، لكونها تتماهى مع المبتغى المنشود من أصحاب النفوذ المالي داخليًا ودوليًا، بما يخدم أهل السلطة والمال. ومؤخرًا، تقدمت بعض الأسماء اللامعة في العمل النضالي، أو هكذا يُفترض أن المجتمع يعرفها، إلى الصفوف الأمامية دفاعًا عن وجهة نظر المصرفيين وأهل السلطة، وعن مشروع القانون الذي قدّمته الحكومة اللبنانية، التي نالت ولا تزال المباركة الأميركية. وللمرة الأولى، رصدنا مقالة قانونية علنية تُهمل نصوص القانون لتقديم تحليل يمزج بين «واقعية الخطاب العام» ووجوب «الموازنة بين الضرورات» للتوصل إلى «الحل العملي»، بحسب رأي صاحب المقالة.

هذا الأمر، وإن كان يأتي منسجمًا مع الجو السياسي والاقتصادي العام السائد في البلاد، الذي يريد لمشروع قانون الفجوة المالية المقترح من حكومة القاضي نواف سلام أن يُبصر النور، فإنه يتمّ دونما التفاتة جدية إلى الضحايا، ومن خلال عملية قيصرية بشعة لتطويع الإطار القانوني والدستوري في خدمة السلطة والسلطويين. هي «نقلة نوعية» دون شك أو ريب، كاشفة للأقنعة، غير أن حسناتها تكمن في أن هذا الانكشاف ما كان ليحصل لولا حشر معاوني الفريق الحكومي من القانونيين والاقتصاديين، العاملين في الخفاء وبدهاء، في الزاوية الضيقة.

الواقعية المزيّفة: من الحوار إلى التطويع

الفكر القانوني الجديد لأهل النضال، أو لمن قدّموا أنفسهم كذلك على مرّ السنين، يأتي على شاكلة رؤية هادئة بصياغة رصينة، لا ينقصها عند العرض سوى «عازف كمنجة». ففي هذا الفكر «رومانسية» مبالغ فيها في تمجيد مقترح القانون الحكومي، الذي وضع – بحسب زعم أصحابه – مدماكًا صالحًا لفتح باب الحوار العملاني والعقلاني. كما تُستخدم كلمات وتعابير مختارة بعناية لتقديم جرائم السرقة والاختلاس بصورة عاطفية للضحايا، ومحاولة إقناعهم بأن ما يحصل هو «أفضل الممكن».

في المقابل، لا تزال السلطة تعتمد حتى الساعة أسلوب التجاهل التام لكل الأصوات المعارضة، مع الاستمرار في محاولات تشويه سمعة المعارضين لسياساتها، أو كاشفي مخططاتها التي يفوح منها العطر الأميركي. أما الوافدون الجدد إلى الحوار، فهم أدوات سلطوية بامتياز، وأصحاب خناجر مسمومة تطعن كل مناضل من الخلف. وفي هذا المقام، يبرز واجب وطني على أصحاب الفكر والعلم من المناضلين والمبدئيين، يحتم عليهم شهر أقلامهم كالسيوف في ساحات المعارك، وبالسلاح الأبيض، من دون مراعاة أو مجاملات، لتسليط الضوء على الأفكار المضللة والهفوات المتعمّدة، في ما قيل وفي ما يُقال. إذ إن ما يحصل هو تنسيق محترف بين مختلف الآلات الموسيقية العازفة في أوركسترا السلطة، بتناغم والتزامن، وكل ذلك يهدف عن قصد إلى إخفاء الحقائق، مع محاولات مبطنة لإضفاء الصبغة الشرعية على مشروع قانون وُضع لتكريس وخدمة أكبر عملية نهب منظّم لمدّخرات اللبنانيين في التاريخ الحديث، ارتكبتها جهات محترفة، ويُفترض ألّا تستمر ولا أن تلقى الدعم بعد فقدانها «الثقة الائتمانية»، وهو ما حصل فعليًا.

حين يخرج على المجتمع اللبناني بعض أصحاب العلم القانوني للحديث عن تقاعس القضاء كقدر محتوم، نتيجة «الواقعية» الفكرية في القراءة والتحليل، مطالبين الضحايا بتحمّل تبعات جريمة لم يرتكبوها، فإنهم يصبحون «شركاء في الجرم أو متدخلين فيه». هؤلاء، بأفكارهم، لا يمارسون حق الدفاع، وهو حق مقدّس شرط عدم التعسف في استعماله، بل يُشرعنون نهبًا منظّمًا تحت غطاء عنوانه «الحل العملي».

إن معالجة قضية المودعين في المصارف، كبارًا وصغارًا، لها منطلقات «أخلاقية» قبل المنطلقات «القانونية». وما يُسوّق له البعض ليس «واقعية»، بل «انهزامية»، وهو «فجور» في تطويع الفكر القانوني لمصلحة غطرسة القوي. وهذه الانهزامية لم تورث لبنان إلا النوائب، وهي الصفة التي كان ينتظرها حاكم مصرف لبنان السابق، الذي بات اليوم فريسة سهلة للجميع وكبش فداء للأزمة الاقتصادية، باتفاق أو من دون اتفاق مسبق، منذ انطلاقة الأزمة، تحت شعار «بكرا بيتعودوا».

«أخلاقيًا»، هذا المنطق التبريري لمشروع الحكومة اللبنانية شاذ، وينطوي على تعمّد قلب الحقائق لمصلحة المرتكبين من أصحاب الياقات البيضاء. إنه منطق يشبه تزويج الضحية القاصرة من مغتصبها، على اعتبار أن في ذلك «وأدًا للجريمة» تحت حجة جذابة هي «الحفاظ على الشرف»، فيما هو في الحقيقة حل جاهلي يُمكّن المجرم من الإفلات من العقاب، وتُطعن فيه الضحية مرتين.

فهل يُعقل أن يأتي حقوقيون ومحامون لطالما اشتهروا، وقدّموا أنفسهم، «مدافعين عن القضايا المحقّة المرتبطة بحقوق الإنسان والمبادئ»، لتسخير أنفسهم وعقولهم وأقلامهم كأدوات بشعة لتجميل القبيح، وتحويل التقصير المؤسساتي والعمل الإجرامي إلى «أمر واقعي» لا بد من التعاطي معه باعتباره «حاجة ملحّة» تحت عنوان «ضمان الحقوق»، في حين أن المطلوب فعليًا هو تشريع الاختلاس والسرقة؟

إن غياب القضاء اللبناني عن المشهد المصرفي، من خلال تعطيله، هو فعل قصدي ومفتعل لاقى دعمًا من قوى السلطة دون شك أو ريب، وهو نتاج إرادة مؤسساتية ارتضت التواطؤ مع المجرم على حساب الحق والحقيقة. ولا يمكن لهذا الفعل القبيح، أياً كانت أسبابه، أن يصبح مبررًا لإقناع الضحايا بتحمّل التبعات، والعدول عن ثوابت القانون والدستور. وما حصل يشكّل سببًا موجبًا للتنويه المجتمعي بوجوب انتفاضة القضاء على ذاته، وإصلاحه، وتنقية صفوفه من العناصر الفاسدة التي تدّعي الصلاح والإصلاح. هذه الطامة تشكّل فرصة متاحة للتأكيد على ضرورة استقلالية هذه السلطة الدستورية، ولا يمكن أن يكون «التقاعس» الذي قرأنا عنه عنوانًا لدفع الناس نحو الموافقة الناعمة على إلغاء الحقوق.

النصوص القانونية: هل هي وجهة نظر أم قواعد آمِرة؟

في السياق المنطقي الهادئ، المريب والمستغرَب في آنٍ معًا، الذي جرى اعتماده لعرض وجهة النظر المصرفية والسلطوية، يأتي دور التقديم المحترف بأسلوب عالي الجودة. غير أنّ الردّ على التفاصيل المضلِّلة يفرض طرح تساؤلات مبدئية تستوجب إجابات حاسمة: هل يجوز للسلطة التنفيذية – الحكومة، ومن خلفها مصرف لبنان – أن تنظر إلى النصوص القانونية (أي الدستور، وقانون النقد والتسليف، وقانون الموجبات والعقود، وقانون العقوبات) على أنها «وجهة نظر» يمكن الأخذ بها أو العدول عنها تبعًا لما تراه مناسبًا، ووفقًا لتقييم «واقعي» مزعوم؟

إن الجواب القانوني على هذا التساؤل يُفترض أن يكون واضحًا لا لبس فيه: النصوص القانونية هي قواعد آمِرة تحكم العلاقة بين الدولة والمواطن من جهة، وبين المصرف والمودع من جهة أخرى. وأي محاولة لتجاوز هذه المسلّمات تحت ذريعة «الضرورة» أو «الواقعية» تشكّل انقلابًا صريحًا على مبدأ الشرعية وسيادة القانون. وكأننا، في لبنان اليوم، نعيش ما يمكن وصفه بـ«حالة ترامبية» بالمعايير اللبنانية، حيث بات في كل زاوية من هذا العالم «دونالد ترامب» صغير، يتغطرس على الآخرين ويتنمّر عليهم ضمن الحدود المتاحة له، متجاهلًا الأعراف كافة، وضاربًا بعرض الحائط كل القواعد القانونية، والأسوأ من ذلك، كل المبادئ الأخلاقية.

الأخطر في الطرح القانوني التبريري الذي يُسوَّق لمشروع قانون «الفجوة المالية» هو اعتماد «التقصير القضائي» سببًا لتحميل الضحايا الخسائر. فمن الذي يملك الجرأة أو الصلاحية لتحميل المودعين، جميع المودعين، مسؤولية تقاعس القضاء، بدل الإشارة إلى هذا التقاعس بوصفه أحد الأسباب المباشرة لهدر الحقوق البائنة والمشروعة؟!

إن هذه الطروحات، سواء صدرت عن اقتصاديين أم عن قانونيين، لا تمتّ إلى «الواقعية» أو «العقلانية» بصلة عندما تصدر عن أشخاص ناضجين يحملون فكرًا تحليليًا علميًا. بل هي، في جوهرها، إعلان غير مباشر عن «وفاة العدالة»، يصدر عن شخصيات خاضت في السابق معارك كبرى تحت عنوان «الإصلاح القضائي»، لكن في قضايا تفصيلية لا تمسّ المجتمع ولا تطاله بمختلف شرائحه.

ومن المستغرَب أن يُقدَّم الحل من خلال الخضوع لمنطق القوة، الذي يتيح لصاحب السلطة فرض شروطه على الضعفاء، تحت غطاء «الحوار» و«النقاش البرلماني». وفي هذا السياق، يحضر اقتباس بالغ الدلالة: «تستطيع أن تكذب على بعض الناس لبعض الوقت، لكنك لا تستطيع أن تكذب على كل الناس لكل الوقت».

مشروع القانون: باب للحوار أم تنفيذ لأجندة مسبقة؟

إن ما سيجري في مجلس النواب خلال الأيام المقبلة، عند إدراج «مشروع قانون الفجوة المالية» على جدول الأعمال، سواء في جلسة عامة أو ضمن اللجان النيابية، لن يكون حوارًا حرًا ونزيهًا حول مشروع قانون عادي قد يحظى بالتأييد أو لا يحظى به. بل هو، في الواقع، عملية مسبقة التجهيز، تدعمها سفارة واشنطن، وتوجيهات صندوق النقد الدولي الانتقائية، بهدف تسريع إقرار نصٍّ يخدم مصالح النخبة المالية والسياسية الفاسدة.

فبيان السفارة الأميركية الداعم للمشروع ليس «رأيًا» قابلاً للنقاش، بل توجيه سياسي واضح يُفرض على مجلس نيابي أُفرغ من إرادته. مجلس يخشى رؤساء كتلِه العصا الأميركية الغليظة، انتخابيًا أولًا (فالانتخابات على الأبواب، ولا أحد يريد أن يُستبدل)، وماليًا ثانيًا (من خلال التلويح بفرض عقوبات مالية أميركية على فئة هرّبت جنى أعمارها – أو بالأحرى الأموال المنهوبة – إلى الخارج).

وأمام هذا الكمّ الوافر من الآراء القانونية الخالصة، وبعضها قانوني–سوسيولوجي، يبدو أن المصرفيين والصيارفة وأصحاب المؤسسات المالية، والقيمين على مصرف لبنان، ومن خلفهم الحكومة، قد استشعروا الخطر الحقيقي الذي يتهدد المخطط المدروس. فدفعوا، في الآونة الأخيرة، بكل قوة «الدلتا القانونية» لديهم، للتصدي للتسونامي القانوني المعارض للمشروع، ما أدى إلى سقوط بعض الأقنعة عن الوجوه.

نعم، لقد وافق المجلس الدستوري في أحد قراراته على تقييد حركة الودائع، إلا أن هذا التقييد ارتبط بتوافر شروط صارمة، هي: «التناسب»، و«عدم إفراغ الحق من جوهره»، و«المساواة». غير أن مشروع قانون الفجوة المالية ينتهك هذه الشروط جميعها، إذ يميّز بين المودعين تمييزًا تعسفيًا، ويُفرغ الودائع من قيمتها الحقيقية عبر تحويلها إلى سندات وهمية، مُحمِّلًا الضحايا عبء خسائر تسبّب بها الفساد وسوء الإدارة.

أسئلة مباشرة لمن يروّجون «الواقعية» وهم من دعاة استقلال القضاء

للخارجين على عموم الشعب اللبناني من بين صفوف المحامين، دعاة «الواقعية» المزعومة، الذين تبنّوا منذ سنوات مشاريع «استقلالية السلطة القضائية» لقاء تمويل سخي، بعضه صادر عن السفارة الأميركية التي أصدرت بيان الدعوة إلى تأييد مشروع القانون، لا بدّ من توجيه أسئلة مباشرة حول مجموعة من الحقائق المرتبطة بـ«دور العدل»:

لماذا غاب القضاء اللبناني عن المشهد العام في قضية المودعين؟ ولماذا لا يزال هذا الدور غائبًا حتى اليوم؟ ما هي مقترحات القضاة العاملين في اللجنة الحكومية المكلّفة صياغة مشروع القانون؟ ولماذا تعطّلت العدالة في قضية المودعين خلال الفترة الماضية، وتمّ امتصاص الغضب عبر تنسيق غير بريء بين محاكم ابتدائية تُنصف المودع، ومحاكم استئنافية تفسخ القرارات العادلة نفسها، في عملية ممنهجة لامتصاص الغضب والنقمة؟

هذه المأساة الوطنية لم تكن يومًا قدرًا محتومًا، بل كانت نتيجة مخططة ومنظمة عن سابق تصوّر وتصميم. وكل من يتحدث عن «عجز القضاء» من دون التطرّق إلى الأسباب الفعلية، إنما يمارس التضليل، عن جهالة أو رذالة أو تخاذل.

قضية رياض سلامة – الملف النموذجي للفساد المالي – جرى تفكيكها إلى «ثلاثة امتحانات» إجرائية، كما رأى الوزير والنائب السابق، العلّامة الدكتور نقولا فتوش، في دراسة قانونية قيّمة منشورة له، وكأن العدالة باتت تحتاج إلى اختبارات تجريبية. أمّا القاضي الجريء فيُنقل، والملف الكبير يُفكّك. وهنا يُطرح السؤال المشروع: أهذا هو قدر كل قضية تتسع لتصبح قضية رأي عام؟

ثمّة تساؤل مشروع يفرض نفسه: أليس ما يحصل اليوم مشابهًا إلى حدٍّ بعيد لما حصل في تحقيقات جريمة انفجار مرفأ بيروت، حيث وجد المحقق العدلي، الذي يتمتع بهامش استنساب قانوني، نفسه ملاحقًا بصفة «مدّعى عليه» بجرم «اغتصاب السلطة» الممنوحة له من مجلس الوزراء، فتمّ منعه من السفر وتعطيل تحقيقاته؟
ألم يُنكَّل بكل من حاول مؤازرته، سواء بموقف علني أو بدراسة قانونية أو حتى بكلمة حق، من داخل السلطة أو من أطراف قريبة منها؟ ألم يواجه المحقق العدلي حملات التشويه اللاحقة به وبسمعته بالصبر والحكمة؟ وألم يُفرض عليه القبول بكثير من التجاوزات من الأمناء على الحق العام؟

فما رأي أصحاب «النظريات القانونية الجديدة»، الذين تلقّوا أيضًا تمويلًا سخيًا في كل ما له صلة بقضية انفجار مرفأ بيروت، إذا ما اعتمدنا المقاربات نفسها، أي «العجز والتقاعس القضائي» واتخاذ «الواقعية» مرتكزًا، للدفع باتجاه إقناع اللبنانيين بقبول «وأد التحقيقات في ملف انفجار مرفأ بيروت»؟
وذلك استنادًا إلى المقاربات العقلية والعلمية نفسها، ومن شخصيات تتناقض في طرحها مع ذاتها، ومع تاريخها، ومع تبنّيها السابق للقضايا المحقّة، مقابل دعم مالي وفير يصلها لقاء كل موقف تتخذه وكل قضية تتبناها؟
لعلّ الجواب بات معروفًا: إذا ما صدر بيان عن السفارة الأميركية في هذا السياق، فقد يجري التسويق لهذا التوجه، لكن حتى الساعة يبقى هذا الملف مزعجًا للأطراف التي لا يرغب الأميركيون في الدفاع عنها.

قد يفتح هذا الكلام الباب واسعًا أمام هجوم بنيران صديقة، غير أنّ لا ضرر في ذلك في سبيل قول كلمة الحق. فبعد إعادة التقييم «الواقعي» لآثار الحرب على الفساد في الدولة اللبنانية، تبيّن أن الرصاصات القاتلة التي يتلقاها مكافحو الفساد في الظهر تفوق بكثير تلك التي يتلقونها في الصدر من خصومهم المباشرين. وقد أثبتت التجارب وجود «خصومات شريفة»، و«تحالفات خبيثة»، و«نيران صديقة متواطئة».

هندسة القضاء: الترقيات المُسيّسة وتفكيك الاستقلالية

لا يخفى على أحد أن «الترقيات» و«التعيينات» و«التشكيلات» التي جرت في السلك القضائي شكّلت تمهيدًا مباشرًا لكل ما تلاها، ولكل ما نلمسه يوميًا. فالمطابخ العالمية لا تُقدّم أطباقًا ساخنة، بل أطباقًا باردة، ومنها أطباق الانتقام من الناشطين. ولا شكّ في أن بعض المسؤولين في المواقع الدستورية يمتلكون نوايا حسنة، غير أنهم يتعرضون لحملات تضليل ممنهجة مصدرها محافل تتماهى في ما بينها وتتبادل الأدوار. وهذا ليس «نظرية مؤامرة»، بل هو توصيف دقيق لما يمكن تسميته «الواقعية الحميدة».

الكل يعلم أن تلك التشكيلات لم تخضع لمعيار الكفاءة، بل لمرضٍ مستشرٍ قلّة قليلة تعترف به، يتمثل باللون الطائفي، والولاءات السياسية، والقدرة على تنفيذ المطلوب بدقة جراح يُجري عمليات تنتهي بقطب تجميلية. فالقاضي الذي يقاوم يُحاصر ويُضايق ويُحرج، بهدف دفعه إلى الاستقالة أو إخراجه من المشهد. لا لأنه مرتكب أو لأن هناك حرصًا على استرداد المال العام، بل غالبًا مع الحرص على منحه حقوقه المالية كاملة، كي لا يفضح موبقات سواه، كما حصل في حالات عديدة.

هكذا يعمل النظام: من يسبح عكس التيار يغرق تلقائيًا، أو يتم إغراقه مرة في النسيان، ومرات في السمعة. فإما أن يغيّر اتجاهه ويسير مع القطيع، وإما يُخرَج قسرًا من الماء.

هل يُعقل أن تبقى قضايا التحويلات المشبوهة، والهندسات المالية، وكل الارتكابات التي جرت عبر المؤسسات المالية والصيارفة والمصرفيين ورجال الدولة في لبنان، من دون أي محاسبة فعلية تطال الرؤوس الكبيرة، ومن دون أي عقاب؟

في المقابل، يُشدّد الخناق بالحبل القضائي السميك على رقاب الناشطين لتطويعهم أو خنقهم، وبالعصا القضائية الغليظة على رؤوسهم، عبر مسارين متكاملين: إما تسريع محاكمات جائرة تنطلق وتنتهي بسرعة صاروخية، أو إبطاء قاتل «يُشَلِّع الروح».

إن لبعض القضاة المعروفين حاضنات إعلامية ورجال قانون، مهمتهم الأساسية التسويق لهم ولـ«إنجازاتهم»، وتصوير أي انتقاد لارتكاباتهم على أنه ناتج عن أحقاد أو غيرة. فيخرج المشهد، برضا المحافل السوداء، صمتًا عامًا عن ملفات وفبركات تُدار في الظلام. فبعض التشويه ممنهج، وبعض الإشاعات سلاح فعّال.

لذلك، كانت تعديلات الظهور الإعلامي للمحامين، في مرحلة معينة، ضرورة قصوى نالت دعمًا قضائيًا واسعًا، لكنها شكّلت في الوقت نفسه حملًا ثقيلًا وعبئًا كبيرًا على نقابة عُرفت تاريخيًا بأنها «أمّ النقابات» والحريصة على الحريات العامة. فالإشاعة تُطلق في المجالس، والضغط الإعلامي يُمارس عبر الأدوات الإعلامية، وصورة القاضي الصالح أو الناشط الصادق المزعج تصبح عرضة للتشويه المتعمّد، تمهيدًا لفتح الطريق السريع أمام قرارات غير قانونية، قد لا تتكرر إلا نادرًا، لكنها إذا صدرت عن قصد، تكون كفيلة بتدمير سمعة مهنية بُنيت بالصبر والحكمة.

«الواقعية» و«الأرقام»: لا بدّ من صلة قربى بينهما

كم من إخبارٍ تلاه تحقيقٌ جدّي، وتمّ فيه تحويل بعض كبار القوم إلى القضاء بعد الادعاء عليهم؟ وبالمقابل، كم من إخبارٍ تلاه قرارٌ بالحفظ وبقي في الأدراج عملًا بالسلطة الاستنسابية؟ كم من تحويلاتٍ ماليةٍ مشبوهة كشفتها التقارير الدولية (مثل تقرير «ألفاريز ومارسال» على سبيل المثال لا الحصر)، ولم تُتبع بإجراءاتٍ قضائيةٍ فعلية؟ وكم من صحافي وصحيفة جرى الانقضاض عليهما تحت وابلٍ من الضغوط الهائلة لتطويع الأقلام وترويض الفكر؟ وكم من محامٍ وقف إلى جانب الحق والمبادئ، فتمّ اتخاذ القرار بسحقه وتحطيمه وتدمير أدواته استباقيًا، وبقوة القانون، وفي مخازنه؟ الخلاصة أنّ العدالة في بعض الحالات لا تكون غائبة، بل مُغَيَّبة، وأكثر من ذلك، قد تكون مُغتالة.

لم يُعطَّل القضاء خلال ستّ سنوات من الأزمة المصرفية لأنه ضعيف أو متقاعس، بل لأنه وُجِّه. ومن يطرح «الواقعية» بديلًا عن العدالة، عليه أن يجيب عن السؤال الآتي: لماذا لا نُصلِح القضاء بدلًا من تسليم الحقوق للصوص والاستسلام لهم؟ وإذا كان القضاء غائبًا، فلماذا لا نعمل جماعيًا، وبالضغط والتعاضد، على دفعه إلى الانتفاض على ذاته والتمرّد على تقاعسه وضعفه؟ ومن هي الشخصيات التي ورّطت القضاء في مسألة الرسوم غير القانونية لمصلحة الصناديق؟ وإن عُرِف السبب بَطُل العجب.

الذهب والأرشيف الدولي: الملفات لن تحترق

لا بدّ من التذكير بحقيقةٍ يتمّ تغييبها عمداً عن أصحاب الخطاب «الواقعي»، مفادها أنّ الذهب الموجود في خزائن مصرف لبنان هو ملكٌ للشعب اللبناني، وأن حمايته دستوريًا وقانونيًا أمرٌ لا يختلف عليه اثنان. لذلك، فإن الإكثار من الحديث عنه يثير تشويشًا وقلقًا مشروعين عمّا قد يُحاك في الخفاء، ولا سيّما إذا صحّت المقولات عن عدم وجوده في خزائن لبنان ونقله إلى خزائن الولايات المتحدة الأميركية، التي قد تستهوِيها، في «العهد الترامبي»، فكرة السطو عليه، كما تفعل اليوم بالنفط الفنزويلي وناقلات النفط في المحيطات، وكما تضع عينها على خيرات الدنمارك وأوكرانيا، بعد أن ضمنت لنفسها فتح «خزائن دول الخليج» متى شاءت.

إنّ أي محاولة للمساس بذهب لبنان أو بيعه، تحت أي ذريعة كانت – حتى لو سُمّيت «سدّ الفجوة» – تُشكّل جريمة وطنية وقانونية مكتملة الأركان.

وما يُسمّى اليوم «حوارًا» حول مشروع «الفجوة المالية» ليس سوى محاولة لتطييف الخلاف وإسكات الأصوات المطالِبة بالعدالة. فالحلّ الحقيقي يبدأ باستعادة الأموال المنهوبة ومحاسبة الفاسدين، لا بتحميل المودعين تبعات الجريمة. القانون لا يجب أن يتحوّل إلى سلعة للمساومة، والعدالة ليست وجهة نظر. فإمّا قانون يحمي الحقوق، ولا سيّما حقوق الفئات المستضعفة، وإمّا لا قانون، ولنُعلنها حينها صراحةً دولةً خاضعة لـ«شريعة الغاب».

وأمام العجز الداخلي وعدم القدرة على إيصال الصوت إلى المعنيين، بحجّة «الواقعية» تارة و«التقاعس» طوراً، على الرغم من المحاولة الجدية التي أطلقتها نقابات المهن الحرة من بيت المحامي، والبيان الذي تلاه نقيب المحامين في بيروت، تبرز ضرورة استنهاض جاليات الاغتراب اللبناني، التي طالها السطو على الودائع، والتي يُسعى إلى تغييب صوتها الهادر والغاضب عن الاستحقاقات النيابية.

إنه نداء استغاثة من قلب الوطن إلى كل قلبٍ ضنين بالوطن، لإطلاق حملة كبرى من المراسلات القانونية مع الجهات الدولية المعنية بمكافحة الفساد وحماية الشفافية المالية، بالتنسيق مع الجهات التي تحظى بثقة كل مجموعة اغترابية. فليكن الصوت عاليًا بالحق والقوة.

ويجب أن تشمل هذه المراسلات لجان الأمم المتحدة المختصة، والبرلمان الأوروبي ولا سيّما لجنة الشؤون الخارجية، والهيئات القضائية في الدول التي استقبلت تحويلاتٍ لبنانية مشبوهة (سويسرا، فرنسا، المملكة المتحدة، وغيرها)، إضافة إلى منظمات النزاهة المالية العالمية.

لبنان لن يكون حكرًا على إرادة طرفٍ دولي واحد، والشعب اللبناني له حقوق يحميها القانون الدولي. ومن يظنّ أنّ رضا سفارة واشنطن عن أي مشروع يعني صمت العالم، فهو يجهل – أو يتجاهل – أنّ العدالة المالية الدولية تمتلك آلياتٍ لا تتوقف عند حدود الجغرافيا السياسية.

ختامًا، نُعلنها بكل جرأة: إنّ القوانين الدولية لمكافحة الفساد وتبييض الأموال لا تسقط بالتقادم، والأدلة لا تتبخّر. وثمّة ملفّ كبير، مُعزَّز بالمستندات والقرائن والأدلّة. اللبنانيون ليسوا وحدهم في هذه المعركة؛ فهناك عيون عالمية تراقب، وأرشيفٌ لن يُحرق، وعدالة آتية. ودائمًا، تكمن عظمة النار في كونها تُحرق وتَحتَرِق.

مقالات الكاتب

د. جاد طعمه

محامٍ لبناني وأستاذ قانون، حاصل على شهادة الدكتوراه في الحقوق، وعضو فاعل في المشهد الحقوقي والقانوني، حيث يكتب في الشؤون القانونية وينخرط في مبادرات مكافحة الفساد والدفاع عن الحقوق العامة.