خط مسيحي ثالث… محاولة جريئة داخل الطائفة ودعوة صادقة عابرة للطوائف

 

يئنّ لبنان اليوم – كما في الأمسين القريب والبعيد – تحت وطأة صراعات طائفية داخلية ومصالح متضاربة إقليمية ودولية. فيما يجد المسيحيون أنفسهم محاصرين داخل قوقعة الأحزاب التقليدية المرتبطة بدرجات متفاوتة بالقوى الخارجية، والتيارات المتقلبة التي تتبع المصلحة اللحظية، فتتحرك وفق مزاج الداخل أو ضغوط الخارج، متنقّلة بين الحُكم والمعارضة دون رؤية واضحة.

في ظل هذا الواقع، ثمة مؤشرات متصاعدة على انبثاق خيار ثالث لم يعد من الممكن أو المجدي تجاهله: خط مسيحي، شكلاً، وطني مستقل، مضموناً، يرفض التبعية لأي محور خارجي، ويضع سيادة الدولة ومصلحة المواطنين فوق أي اعتبار. خط يشكّل انتفاضة فعلية ضد منظومة المحاصصة التي تحكم لبنان منذ عقود، وفي الوقت نفسه ينفتح على جميع الطوائف تحت راية الوطن والمصلحة العامة.

تاريخ الطوائف في لبنان غالباً ما عبق بالتبعية. مسيحياً، ومنذ أيام الانتداب الفرنسي، كانت القيادات منقسمة بين حماية الهوية الدينية والاستعانة بالقوى الأجنبية لضمان مصالحها، ما ساهم (دون إغفال دور باقي الطوائف) بإضعاف الدولة الوطنية حديثة النشأة وأرسى نمطاً من التبعية السياسية لا يزال حاضراً حتى اليوم. فالأحزاب الكبرى انتهجت تحالفات خارجية أو انخرطت ضمن محاور طائفية لضمان البقاء السياسي، فجعلت “القضية المسيحية” جزءاً من صراعات إقليمية بعيداً عن مشروع إرساء دولة جامعة وعادلة. وفي الوقت نفسه، حاولت التيارات المسيحية الأحدث تكويناً المناورة بين الداخل والخارج ففقدت في أحيان كثيرة مصداقيتها لدى الرأي العام، إذ رأى كثيرون أن مواقفها تتأرجح بين مصلحة مؤقتة وموقف إقليمي، بعيداً عن تصوّر واضح للدولة والمستقبل.

تؤكد الأحداث التاريخية أن هذا التقلّب لم يكن عشوائياً. فقيادات مسيحية كثيرة ارتبطت باتفاقات – علناً أو سرّاً – مع قوى خارجية، ما جعل سياساتها داخل لبنان رهينة لموازين القوى الإقليمية والدولية. وخلال فترات الاحتراب الداخلي ومراحل التوتر، لجأت بعض الأحزاب المسيحية إلى الحماية الخارجية لضمان مواقعها السياسية، فأصبحت قراراتها مرتبطة بضغوط من خارج الحدود أكثر من أي اعتبار داخلي أو وطني. كذلك، غالباً ما اتخذت مواقفها في ملفات السيادة والأمن القومي وفق توازنات القوى الإقليمية، وليس وفق رؤية وطنية مستقلة، ما ساهم هو الآخر بضعضعة أُسس الدولة وجعلها رهينة أهواء الخارج. (وهنا أيضاً لا نغفل بالطبع أدواراً مماثلة لعبتها قيادات من طوائف أخرى كذلك).

من هنا، يولد خيار الخط الثالث المسيحي، الذي يجب أن يتحول إلى برنامج واضح ذات أهداف محددة، وأن يكون منفتحاً على كل اللبنانيين من مختلف الطوائف. قوام هذا الخط ليست المحاصصة أو حماية طائفية، بل بناء دولة مواطَنة تضع سيادة لبنان فوق كل ولاء خارجي. خط ذات رؤية اقتصادية واضحة تتصدّى لآفة الفقر ونزيف الهجرة، وتعمل على إصلاح الإدارات العامة ومحاربة الفساد، لا مجرّد انتظار مساعدات مشروطة. خط يتحول إلى فعل مدني حقيقي عبر إحياء أو إنشاء مؤسسات تُشرك الشباب، وتعزّز ميادين التعليم والثقافة، وتبني شبكات تعاون مع جميع اللبنانيين، على مختلف انتماءاتهم الروحية والإيديولوجية، ومستقلين عن الأحزاب التقليدية. كل ذلك وفق مبدأ حاسم برفض أي تدخل خارجي، ومواجهة السلاح غير الشرعي كما تحدّده المعايير الدولتية، وحماية الحدود والسيادة الوطنية دون مساومة.

لكي ينجح هذا الخط، يجب أن يخضع ممثلوه لمعايير صارمة للنزاهة والكفاءة، ويكونوا مسؤولين أمام المواطنين، وليس أمام أحزاب أو محاور خارجية. ويتعيّن أن يرتكز إلى رؤية وهدف محدّدين، كي لا يقع في فخ استُدرجت إليه قوى “تغييرية” كثيرة غاب عنها التخطيط طويل المدى أو الوضوح في الأهداف، ما جعلها عرضة للتقلبات والإقصاء السياسي. الخط الثالث يحتاج إلى برنامج تكتي قصير ومتوسط الأمد وتصوّر استراتيجي طويل الأمد. وفوق هذا وذاك، فهو إنما يحتاج إلى شجاعة في كسر القيود التقليدية، وثبات في مواجهة الضغوط مهما كانت مصادرها. ويبقى الانفتاح على جميع اللبنانيين الساعين لدولة حقيقية قائمة على المواطَنة الحقّة بوصلة الخط وروحيّته.

اليوم، يطرح الخط الثالث أسئلة مصيرية: هل يمكن تأسيس تجمّع مسيحي، شكلاً، ووطني، مضموناً، يضع الوطن فوق الطائفة؟ وهل يمكن صياغة عقد سياسي مستقل يضع سيادة الدولة فوق أي ولاء خارجي؟ ثم هل يمكن ولادة تنظيم حزبي أو منصة سياسية حقيقية تُشرك الشباب والمستقلين، وتعمل مع اللبنانيين جميعاً؟ وكيف يتحوّل هكذا مشروع إلى ممارسة ملموسة في البرلمان، والإدارات المحلية، والمؤسسات الأمنية؟

لم يعد لبنان يحتمل المزيد من التحالفات المؤقتة بين القوى التي تتصرف وفق مصالح داخلية ضيّقة، حيناً، وأخرى خارجية فضفاضة، حيناً آخر. والمسيحيون اليوم مطالبون بأن يكون لهم صوت واضح ومستقل، يقودهم نحو دولة عادلة تجمع جميع اللبنانيين على طريق المواطَنة واسع الأفق، لا تقوقعات الطائفية محتومة النهايات. فهذا الخط هو في جوهره دعوة للانتفاضة على المنظومة القائمة، ومدّ اليد لكل من يؤمن بالدولة المدنية والمواطَنة كاملتَي المواصفات. علّه، إن نجح في مسعاه، أن يفتح كوّة في جدران طائفية أخرى يخرج منها مَن هُم على استعداد للسير – كل من خلفيّته، شكلاً، ويداً بِيَد، مضموناً، كنواة قادرة، متماسكة ومتّعظة من دروس الماضي – والانصهار في لبنان الغد.

مقالات الكاتب

كارين عبد النور

صحافية وكاتبة لبنانية، حاصلة على شهادة في الرياضيات الأكتوارية. تعمل في مجال الإدارة المالية والمؤسسات التربوية في لبنان. تتمتع بخبرة صحافية حيث تميزت بكتابة التحقيقات خاصة الاستقصائية منها.