رجي يلعب بالنار… قرار شعبوي قد يشعل ما تبقّى من الدولة

يثير قرار وزير الخارجية يوسف رجي بسحب الاعتماد من السفير الإيراني ومنحه مهلة للمغادرة، أكثر من علامة استفهام، إن في مضمونه السياسي أو حتى في خلفيته القانونية والدستورية، وتوقيته السياسي شديد الحساسية.

في النظام اللبناني، ليست السياسة الخارجية شأناً فردياً، ولا يفرضها قرار صادر عن وزير يُعتبر جهة تنفيذية لا أكثر، مهما كانت حيثيته أو خلفيته السياسية. فبحسب الدستور اللبناني، تُدار السياسة الخارجية من قبل مجلس الوزراء مجتمعاً، كما أن القرارات السيادية الكبرى، ومنها إعلان سفير أجنبي «شخصاً غير مرغوب فيه» أو سحب الاعتماد منه، تدخل ضمن صلاحيات الدولة ككل، لا ضمن صلاحيات وزير بعينه.

إضافة إلى ذلك، فإن مثل هذه القرارات، في الأعراف الدبلوماسية، تحتاج إلى تنسيق واضح مع رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة، كونها قرارات سيادية تمس العلاقات الدولية للبنان، وقد تفتح الباب أمام تداعيات سياسية وأمنية واقتصادية لا يمكن احتواؤها بسهولة.

من هنا يحق لنا أن نسأل كيف تُتخذ خطوة بهذا الحجم من دون قرار صادر عن مجلس الوزراء؟ وكيف تُنفّذ من دون موافقة رئيس الجمهورية، خاصة وأن المعلومات المسرّبة تؤكّد نفي الرئيس عون معرفته المسبقة بالقرار؟ وهل بات لبنان يدار بمنطق المبادرات الفردية مع انحلال مفهوم الدولة؟

ليست هذه المرة الأولى التي يُطرح فيها موضوع طرد سفير إيراني في لبنان. ففي عام 1983، وتحديداً بعد تفجير مقر القوات المتعددة الجنسيات في بيروت في تشرين الأول من ذلك العام، دخل لبنان في أزمة سياسية وأمنية شديدة الحساسية.

كان السفير الإيراني آنذاك علي أكبر محتشمي بور، الذي لعب دوراً محورياً في تنسيق حضور الحرس الثوري الإيراني في البقاع، وتحديداً في بعلبك، في مرحلة كانت فيها الدولة اللبنانية ضعيفة، والبلاد خارجة لتوّها من الاجتياح الإسرائيلي عام 1982.

في تلك المرحلة، درست حكومة الرئيس أمين الجميل بجدية طرد السفير الإيراني، بعد تصاعد الاتهامات بتدخل إيران المباشر في الشؤون اللبنانية، وبخاصة بعد تفجيرات القوات المتعددة الجنسيات ومقر المارينز الأميركي في بيروت.

لكن مجرد طرح فكرة الطرد آنذاك أدى إلى توترات داخلية خطيرة، واعتُبر القرار المحتمل خطوة قد تدفع البلاد نحو انزلاق أمني واسع. ومع تصاعد المخاوف من انفجار داخلي، ومع تعقيدات التوازنات اللبنانية والإقليمية، تراجعت السلطة اللبنانية عن القرار، وتم احتواء الأزمة، رغم استمرار التوتر السياسي.

الدرس كان واضحاً: في لبنان، القرار الدبلوماسي قد يتحول إلى فتيل داخلي، إذا لم يُحسب بدقة ضمن ميزان القوى الداخلية.

اليوم، يعود المشهد نفسه تقريباً، ولكن في ظروف أكثر خطورة. فلبنان يقف على حافة حرب إقليمية، والانقسامات الداخلية بلغت مستويات غير مسبوقة، والضغوط الخارجية تتصاعد من كل اتجاه.

في هذه اللحظة، يأتي قرار سحب الاعتماد من السفير الإيراني، من دون غطاء حكومي، ومن دون توافق وطني، وكأنه محاولة لتسجيل موقف سياسي داخلي أكثر منه قراراً سيادياً مدروساً.

ونسأل الوزير رجي وكل من هلّل لقراره: هل طرد سفير، أي سفير، سيوقف الحرب المشتعلة في المنطقة؟ هل سيوقف التوترات الإقليمية؟ هل سيوقف الانقسامات الداخلية؟ هل سيمنع التآمر الخارجي على لبنان؟

لو كان الأمر كذلك، لكنّا أول المؤيدين لهذا القرار. ولو كان طرد السفير كفيلاً بحماية لبنان من الانزلاق نحو الفوضى، لكان القرار واجباً وطنياً لا يحتمل الاعتراض عليه.

لكن الحقيقة الموجعة التي لا يرغب كثيرون الاعتراف بها هي أن الدبلوماسية، حين تُتخذ في لحظة احتقان، قد تتحول إلى أدوات تفجير داخلي، لا أدوات حماية وطنية.

لبنان اليوم ليس في مرحلة تسجيل نقاط سياسية. إنه في مرحلة بقاء. وكل قرار غير محسوب قد يفتح الباب أمام انزلاقات أكبر من الحرب نفسها.

فحذار من أجندات تُنفذ في الداخل تحت النار. وحذار من قرارات تُتخذ في لحظة شعبوية، فيما البلد يقف على حافة الانفجار.

لقد علّمتنا التجارب أن أخطر ما يمكن أن يواجه لبنان، إضافة إلى الحرب الخارجية، تلك القرارات الداخلية غير المدروسة، التي تُشعل الجبهات من الداخل. وإذا كان لبنان محاطاً اليوم بنار الحرب، فإن القرار غير المسؤول قد يحرق أكثر من حرب العدو علينا.

كفى اندفاعات غير محسوبة. لبنان يحتاج إلى دولة، إلى مبادرات، إلى قرارات سيادية، لا إلى خطوات شعبوية.

المشكلة، كل المشكلة، أن البعض، وبدل أن يحمي لبنان، يلهث وراء تسجيل مواقف على حسابه.

مقالات الكاتب

كارين عبد النور

صحافية وكاتبة لبنانية، حاصلة على شهادة في الرياضيات الأكتوارية. تعمل في مجال الإدارة المالية والمؤسسات التربوية في لبنان. تتمتع بخبرة صحافية حيث تميزت بكتابة التحقيقات خاصة الاستقصائية منها.