لم نسمع أو نقرأ هذا القدر عن “الأساطيل” منذ عام 1588. وبعد أكثر من أربعة قرون، ها هي الولايات المتحدة تقوم بحشد أحدها في الشرق الأوسط. الرئيس يكتب ويتحدث عنه، معلنًا أن هذا الأسطول “جاهز، راغب، وقادر على تنفيذ مهمته بسرعة وبقوة، إذا اقتضت الضرورة”. غير أن ذلك يطرح سؤالًا أساسيًا وبديهيًا: ما هي مهمته تحديدًا؟
يوحي الرئيس دونالد ترامب بأن المهمة تتمثل في التفاوض على اتفاق مع إيران يمنعها من امتلاك أسلحة نووية. وهذا، في حدّ ذاته، ينطوي على قدر من المفارقة، لا سيما في ضوء تصريحاته السابقة التي ادعى فيها أن الضربة العسكرية الأميركية في حزيران الماضي قد دمّرت بالكامل البرنامج النووي الإيراني.
لكن هذا التعريف للمهمة الأميركية يظل ضيقًا على نحو لافت. فمن حيث المبدأ، كان بإمكان الولايات المتحدة أن تسعى — إلى جانب إنهاء قابل للتحقق لبرنامج إيران النووي — إلى أهداف أخرى، مثل فرض قيود على عدد الصواريخ الباليستية الإيرانية ومدياتها، وإنهاء دعم طهران للوكلاء المسلحين، بما في ذلك “حماس” و”حزب الله”، ووضع حد لاستخدام القوة المميتة ضد المعارضين في الداخل. والحال أن السعي إلى تقييد القدرات العسكرية الإيرانية وأنشطتها القمعية من شأنه أن يلقى قبولًا لدى هذه الإدارة، وقد يُعتمد كسياسة أميركية. أما المطالبة بتغييرات مرتبطة بالمستقبل السياسي للنظام، فسيكون أمرًا خارجًا تمامًا عن طبيعة هذه الإدارة. وكل من يشكك في ذلك، يكفيه أن يتأمل ما جرى في فنزويلا.
لقد كانت السياسة الأميركية الأخيرة تجاه إيران كارثية. فقد تجاوز الخطاب المتضخم حدود الواقع، ما جعل الولايات المتحدة تبدو، في أفضل الأحوال، عاجزة، وفي أسوأها، غير مسؤولة. لم تفعل واشنطن شيئًا بينما كانت الحكومة الإيرانية وقواتها الأمنية تقتل آلاف الإيرانيين الذين خرجوا إلى الشوارع، مدفوعين بالإحباط من الانهيار الاقتصادي والقمع السياسي، للاحتجاج على النظام. كان وعد ترامب لهم بأن “أميركا تقف إلى جانبهم” — بما شجّع الناس على الانتفاض — في حين أن الواقع جاء معاكسًا تمامًا، هو أمر لم ينل بعد ما يستحقه من نقد ومساءلة.
أرى أنه ينبغي ربط تخفيف الضغوط الاقتصادية بفرض قيود على القدرات العسكرية الإيرانية، وبطريقة تعامل النظام مع شعبه؛ فكلما التزمت إيران بشروطنا، زادت الفوائد التي تجنيها. وبصيغة معاكسة، كلما فشلت إيران في تحقيق أهدافنا — بما في ذلك التعامل مع مواطنيها بضبط النفس — زادت الكلفة الاقتصادية التي ستدفعها. وفي الأثناء، يتعين علينا اتخاذ خطوات لزيادة الضغط الاقتصادي على إيران، إذ إن الاقتصاد المتدهور هو بمثابة “كعب أخيل” النظام.
أما ما أضعه موضع تساؤل، فهو استخدام الأسطول الأميركي، إلا إذا كان الهدف منه إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية بعد فشل محاولات التفاوض على تقليصها. وعلى وجه الخصوص، فإن استخدام القوة المسلحة لإحداث تغيير داخلي لن يحمي أرواح المعارضين، ومن غير المرجح أن يؤدي إلى سقوط النظام. لكنه، في المقابل، سيخلق ضغطًا علينا للذهاب أبعد بكثير إذا ما قاوم النظام مطالبنا وبقي متماسكًا.
كما ينبغي ألا نغفل أن إيران لا تزال تمتلك القدرة على الرد، سواء ضد الأصول العسكرية الأميركية، أو ضد إسرائيل، أو ضد شحنات النفط ومصافي التكرير. وحتى لو أدى استخدام محدود للقوة، بطريقة ما، إلى القضاء على القيادة أو تقويض النظام، فلا يوجد أي ضمان بأن ما سيأتي بعد ذلك سيكون أكثر توافقًا مع مصالحنا أو مع تطلعات الشعب الإيراني. وكل ذلك إنما يوحي بأن “الأسطول” قد لا يكون أداة السياسة التي يعتقد الرئيس أنها بالفعل كذلك.
بقلم / ريتشارد هاس – الرئيس الفخري لمجلس العلاقات الخارجية

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
