يعتبر العلم السياسي–الدستوري–القانوني أنّ مصطلح كلمة “استقلال” بمفهومها المحدَّد يُعدّ من الشروط الأساسية التي تُساعد أي دولة على تحقيق نهضتها وتطوّرها وتقدّم مؤسساتها الشرعية، لأنّ الاستقلال هو الركن الأساسي الحامي للدولة، وهو الذي يُحافظ على كلّ مقوّمات الدولة الوجودية، كما يُحافظ بطبيعة الحال على شخصية هذه الدولة ومكانتها بين الأمم. واستنادًا إلى العديد من الدراسات والأبحاث والمراجع، يُجمع جميعها على أنّ أيّ شعب والمسؤولين في الدولة لا يمكنهم النهوض والتقدّم إلا إذا كانوا مستقلّين استقلالاً تامًا ناجزًا. وهذه الحالات والتوصيفات غير متوفّرة في دولة لبنان التي تفتقد لمقوّمات الاستقلال الصادق.
في الجمهورية اللبنانية، لا وجود لاستقلال حقيقي، والدليل ما نشهده من تدخلات خارجية وصراعات على الأرض اللبنانية، إذ إنّ السيادة الاستقلالية لم تبلغ شوطًا من التقدّم، بل تشهد مزيدًا من التراجع، والسبب هو فقدان الحسّ الوطني لدى المسؤول، وعدم وجود عنصر الاستقلال القومي الصرف. وهذا أمر واضح للعيان، حيث إنّ التدخلات الخارجية أقوى من الفعل الداخلي، وبالتالي يمكن الاستنتاج أنّ مقوّمات الاستقلال اللبناني مفقودة، بل معدومة.
فعليًا وعمليًا وقانونيًا، إنّ الاستقلال هو الحالة التي تمتلك فيها أي دولة السيادة التامة الكاملة على أراضيها وشؤونها الداخلية، ولها سياسة خارجية مستقلّة تُدار من قبل نظام سياسي حرّ غير موسوم بالعمالة أو التبعية أو الارتهان أو بيع الضمير. فالاستقلال الحقيقي يفترض شمول الحق في وضع القوانين واتخاذ القرارات السياسية دون تدخّل من أي كان، ولكن واقع الدولة اللبنانية هو نقيض ما ذكرناه من مبادئ سيادية استقلالية.
إنّ الجمهورية اللبنانية منتهكة السيادة والاستقلال، والسبب وجود ميليشيا تابعة لقوّة إقليمية داخل الدولة. ووجود هذه الميليشيا والدولة الداعمة لها أثّر على الاستقلال، وهذا الأمر يثير جدلاً واسعًا وعميقًا حول مدى استقلال الدولة اللبنانية، لأنّ الدولة الإقليمية وميليشيا “حزب الله” تؤثّران على قدرة الدولة على اتخاذ قراراتها بحرية أو على فرض إرادتها على الدولة والشعب… وهذه الأمور الحاصلة نالت من سمعة الاستقلال في الدولة اللبنانية.
وفق مفهومنا القانوني–الدستوري–السياسي، فإنّ الاستقلال الحقيقي يعني السيطرة الكاملة للدولة وأجهزتها الرسمية على كامل ترابها ومواردها الشرعية. والاستقلال التام والناجز يعني حرية اتخاذ القرارات دون ضغوط خارجية، والاستقلال التام والناجز يعني القدرة على حماية الحدود والدفاع عن السيادة التامة… وكلّ هذه الأمور لا تتوافر في مسار العملية الاستقلالية للجمهورية اللبنانية.
أمّا استقلالية الدولة ضمن معايير الأمم المتحدة، فيُعتبر استقلال الدولة واحدًا من الشروط الضرورية للاعتراف بشرعيتها، لا بل هو شرط في تعريف الدولة بأنها “وحدة قانونية دائمة تتضمّن وجود هيئة اجتماعية لها حق ممارسة سلطة قانونية معيّنة على أمّةٍ مسالمة فوق إقليم محدد.”
والمؤسف أنّ الجمهورية اللبنانية في حالة استقلال مُزَّيف، لأنها تخدم مصالح الخارج وبعض المسؤولين، وهي بذلك تتعارض مع مصلحة الدولة ومؤسساتها الشرعية، ومع مصلحة الشعب اللبناني الرازح تحت وطأة الفقر والهجرة والبطالة والحرمان.
وعلى أمل أن يدرك شرفاء الوطن أهمية الاستقلال الصادق، وعلى أمل خلق ظروف تُتيح الاستقرار والرفاه، وإقامة علاقات سليمة وودية على أساس احترام مبادئ المساواة بين جميع اللبنانيين في الحقوق والواجبات وحقّهم في وطن مستقلّ حرّ سيّد مزدهر… عندئذ فقط نكون أمام استقلال حقيقي.

بول الحامض
ناشط سياسي، رئيس جمعية الإرشاد والتثقيف الوطني، خبير في المجالات الاقتصادية والقانونية، مع خبرة في الاستثمارات، إدارة الشركات، والتبادلات المالية، ويعمل كمستشار في القضايا الجمركية.
