إلى أين تريدون أخذ الوطن ومؤسساته؟

أيها السياسيون أصحاب الضمائر المائتة،

مقالتي هذه تحمل في طياتها حزناً وألماً، وتأتي في إطار تحليل أكاديمي هدفه وضع الإصبع على الجرح بجرأة نادرة، من دون مواربة أو خوف من سطوتكم أو عاركم. سؤال أطرحه باسم الأكثرية الصامتة: إلى أين تريدون أخذ الوطن ومؤسساته؟ وإلى أين تسوقون شعباً سرقتم مدخراته؟

أيها السياسيون، أيُّ أداءٍ سياسيٍّ هذا؟ وأيُّ حربٍ فرضتموها على الشعب والوطن، علماً أن غالبية اللبنانيين يرفضونها، باستثناء من تضلّلونهم عمداً، وتضعونهم وقوداً لأوامركم ولمصالح قوى غريبة طامعة بأرضنا، حوّلتموها إلى ساحات لتصفية الحسابات؟

أيها السياسيون، أن تُستباح الأرض اللبنانية، وأن تُتخذ القرارات لمصلحة الغرباء، وأن تُنتهك السيادة الوطنية من دون وضوح أو محاسبة، وأن تُقصف المناطق الآمنة، وأن يُهجَّر الشعب من بيوته، من دون أي تحرّك من قبلكم أو مساءلة، فذلك هو العار الذي تحملونه بين أيديكم.

أيها السياسيون (علمانيون ورجال دين)، لقد استُبيحت أرض لبنان “على عينك يا تاجر”، وزُجّت عناصر غير لبنانية في صراعات على أرضنا. وهذا أمر لم يعد مقبولاً ولا محتملاً، علماً أن الجمهورية اللبنانية تحوّلت إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، بقرار داخلي من أعلى المستويات، فيما الشعب يئن تحت الركام. رجل دين يبكي ويستجدي، ومسؤول رفيع يتذاكى على المنابر، ويدّعي الحرص على السلم الأهلي، فيما يتغاضى عن انتهاك السيادة.

أيها السياسيون، أكثر من مئة وست سنوات (تاريخ إعلان دولة لبنان الكبير عام 1920)، والدولة منكوبة، وأراضيها تُستخدم كساحة لتبادل الرسائل، لا كدولة مستقلة لها كيانها ووجودها وحضارتها ونظامها. والنتيجة: شعب منهك، أرض محروقة، سياسة ساقطة، رجال دين ضعفاء، ساسة تجار مواقف وبائعو أوهام، وشباب يهاجر بحثاً عن مأوى. ثلث اللبنانيين لا يريدون الحرب، ولا يريدونكم في سدة المسؤولية، بل يريدون الأمان والسلام والحرية والسيادة التامة والاستقرار.

أيها السياسيون، أداؤكم معيب، ويتسم بالغموض والتبعية، ويحمل سمات المخالفات الدستورية التي قد ترقى إلى خرقٍ جسيمٍ للقانون والدستور، على قاعدة انتهاك المبادئ الدستورية والقوانين المرعية الإجراء.

أيها السياسيون، إن تحالف الفساد القائم بينكم وبين بعض رجال الدين يشكّل ظاهرة خطيرة. فمن الواضح توظيف النفوذ السياسي، العلماني والروحي، لتبرير ممارسات سلطة غير مشروعة، ما أدى، ويؤدي، إلى الفوضى ونهب الأوقاف والمال العام وغياب المساءلة، وترسيخ أركان سلطة زائفة ذات طابع قمعي. هذا المزيج السام يكرّس الانحطاط السياسي والديني (وعذراً على هذا التوصيف، لكن تسمية الأمور بأسمائها واجب)، ويحوّل السياسة والدين إلى أدوات قهر وتنكيل بالشعب والدولة ومؤسساتها.

أيها السياسيون، وانطلاقاً من صفتي مؤسس “جمعية الإرشاد والتثقيف الوطني”، وعضواً في أكثر من جمعية وطنية هدفها بناء وطن سيد حر مستقل، نؤكد أن نظام العدالة يشكّل ركناً أساسياً من أركان الدولة، المبني على استقلالية السلطة القضائية، كما نصّت المادة 20 من الدستور اللبناني: “السلطة القضائية تتولاها المحاكم على اختلاف درجاتها واختصاصاتها ضمن نظام ينص عليه القانون، ويحفظ بموجبه للقضاة وللمتقاضين الضمانات اللازمة. أما شروط الضمانة القضائية وحدودها فيعينها القانون. والقضاة مستقلون في إجراء وظيفتهم، وتصدر القرارات والأحكام من قبل كل المحاكم وتُنفذ باسم الشعب اللبناني”.

وهذا يعني أن القانون هو الضمانة لحماية حقوق المواطن والوطن من أي اعتداء ناتج عن تقصير الساسة، سواء كانوا علمانيين أم روحيين.

إن هدف هذه المقالة هو توعية الرأي العام، وكل من يتابع الوضع اللبناني، سواء أكان دبلوماسياً عربياً أم أجنبياً. واستطراداً في تقييم أداء الساسة اللبنانيين، فإن البحث في مسؤولية كل من رؤساء الجمهورية، ورؤساء الحكومات السابقين، والوزراء، والنواب، يقود إلى اللجوء إلى المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، المنصوص عليه في الدستور، ووفق قانون أصول محاكمتهم. وتشير المراجعات الفقهية إلى أن العقوبات قد تأخذ أشكالاً متعددة: سياسية، جزائية، مدنية، أو مجتمعة.

أيها السياسيون، إن أداءكم يرقى إلى مستوى الجريمة السياسية الجسيمة، ويشكّل تقصيراً فادحاً في الواجبات الوظيفية، وخرقاً خطيراً للالتزامات الملقاة على عاتقكم. ونحن اللبنانيون التواقون إلى الحرية والسيادة، لنا الحق في محاسبتكم، لأن أفعالكم تمسّ جوهر الدولة وكيانها.

بصريح العبارة، لا ثقة بهذه السلطة بأي شكل من الأشكال. والتجارب المتراكمة أثبتت أن الأداء السيئ هو ما أوصل البلاد إلى هذا الدرك. لقد بات من الواجب على المواطنين الشرفاء، المؤمنين بوطن ومؤسسات حرة، وضع حد لهذه السلطة، وإحالتها إلى القضاء لمحاسبتها وفق الأصول، وقطع الطريق على كل من خالف الدستور والقوانين المرعية الإجراء.

فالمحاسبة آتية لا محالة، لكل من ادّعى النزاهة من رجال السياسة والدين، وتهرّب من المسؤولية وتفادى المحاسبة.

لقد حان وقت الجد… فانتظروا الحساب.

مقالات الكاتب

بول الحامض

ناشط سياسي، رئيس جمعية الإرشاد والتثقيف الوطني، خبير في المجالات الاقتصادية والقانونية، مع خبرة في الاستثمارات، إدارة الشركات، والتبادلات المالية، ويعمل كمستشار في القضايا الجمركية.