المعابر غير الشرعية… ملف أمني بأقفال سياسية

لا يمكن مقاربة ملف المعابر غير الشرعية بوصفه مسألة أمنية تقنية فحسب، إذ يتداخل هذا الملف بشكل مباشر مع اعتبارات سياسية واقتصادية واجتماعية، ما يجعله من أكثر الملفات تعقيدًا وحساسية. فالمعابر الخارجة عن السيطرة الرسمية لا تشكّل فقط ثغرة أمنية، بل تتحوّل إلى مسار موازٍ للاقتصاد النظامي، وإلى عامل ضغط سياسي دائم على الدولة.

آليات الضبط: بين الإمكانات والوقائع

من حيث المبدأ، يمكن ضبط المعابر غير الشرعية عبر حزمة متكاملة من الإجراءات، تبدأ بتعزيز الانتشار الأمني على طول الخطوط الحدودية، من خلال زيادة نقاط المراقبة وتسيير دوريات مشتركة بين الجيش والأجهزة الأمنية المختصة، بما يضمن حضورًا دائمًا يحدّ من حركة التهريب.

إلى جانب العنصر البشري، يبرز دور التكنولوجيا الحديثة في تعزيز القدرة على الضبط، سواء عبر استخدام الكاميرات الحرارية، أو الطائرات المسيّرة، أو أنظمة المراقبة الليلية وأدوات التتبّع، التي تسمح برصد التحركات في المناطق الوعرة وصعبة الوصول.

كما يشكّل إقفال المعابر الترابية أحد الإجراءات الأساسية، وذلك عبر إقامة سواتر ترابية، أو حفر خنادق، أو وضع عوائق إسمنتية تمنع مرور الآليات والأفراد خارج النقاط الشرعية.

غير أنّ هذه الإجراءات تبقى ناقصة من دون تنسيق رسمي بين الدولتين المعنيتين بالحدود، إذ لا يمكن لأي دولة أن تضبط حدودها بشكل فعّال من طرف واحد، في ظل تشابك الجغرافيا والمصالح العابرة للحدود.

التهريب: شبكات منظّمة لا أفراد معزولين

يبقى التحدّي الأبرز في مواجهة المعابر غير الشرعية هو شبكات التهريب المنظمة، التي تعمل ضمن منظومة متكاملة تتجاوز الأفراد إلى بنى مالية ولوجستية معقّدة. لذلك، فإن أي معالجة جدّية تقتضي ملاحقة الرؤوس الكبيرة والمنظّمين الأساسيين، بدل الاكتفاء بملاحقة صغار المهرّبين الذين يشكّلون الحلقة الأضعف في هذه السلسلة.

ولا يمكن إغفال العامل الاقتصادي في تفسير ظاهرة التهريب، إذ يرتبط جزء كبير منها بالفقر وبفوارق الأسعار بين الدول المتجاورة، ما يحوّل التهريب إلى مورد عيش بالنسبة إلى فئات واسعة. من هنا، تصبح المعالجة الاقتصادية عنصرًا لا يقل أهمية عن المعالجة الأمنية، باعتبارها وسيلة لتقليص الدافع الموضوعي للتهريب.

لماذا يستمر الفلتان؟

يستمر الفلتان الحدودي غالبًا نتيجة ضعف القرار السياسي أو تضاربه، أو بسبب وجود غطاء سياسي لبعض شبكات التهريب، فضلًا عن مصالح اقتصادية مستفيدة من الواقع القائم. وفي بعض الحالات، تضاف إلى ذلك تعقيدات أمنية مرتبطة بملفات إقليمية أو داخلية أوسع.

تُظهر التجارب أن ضبط المعابر غير الشرعية ممكن خلال فترة قصيرة نسبيًا متى توفّر قرار سياسي واضح، مقرون بدعم أمني فعلي ومحاسبة جدّية. أما في ظل تغليب الحسابات السياسية والمصالح الخاصة على منطق الدولة، فإن الوضع سيبقى رهينة التذبذب، بين تشديد ظرفي وتراخٍ دائم، من دون معالجة جذرية للمشكلة.

مقالات الكاتب

جورج الزغبي

ناشط إعلامي