تفاجأ اللبنانيون صباح البارحة بخبر إلغاء الإدارة الأميركية جميع الاجتماعات التي كانت مقرّرة لقائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل في واشنطن، إلى جانب إلغاء حفل الاستقبال الذي كانت السفارة اللبنانية قد أعدّته على شرفه. وقد أثار هذا التطوّر موجة واسعة من التساؤلات، ولا سيما أنه جاء في لحظة سياسية حسّاسة يشهد فيها لبنان ضغوطاً متزايدة على مختلف المستويات.
الخلفيات المباشرة للقرار الأميركي
تشير المعلومات المتقاطعة إلى أنّ القرار الأميركي جاء على خلفية البيان الأخير الصادر عن قيادة الجيش اللبناني، والذي تضمّن إدانة للاعتداءات الإسرائيلية على الجنوب من دون التطرّق إلى مسؤولية حزب الله. وقد اعتبر بعض أوساط الإدارة الأميركية أنّ صياغة البيان حملت انحيازاً ضمنياً ضد إسرائيل، وهو ما دفع عدداً من أعضاء الكونغرس إلى إطلاق مواقف عالية السقف تجاه الجيش اللبناني.
وسُجّل في الساعات الأخيرة هجوم لافت للسيناتور ليندسي غراهام والسيناتور جوني إرنست على المؤسسة العسكرية اللبنانية، إذ اعتبرا أنّ البيان الأخير “يعكس ضعفاً في مواجهة حزب الله” ويهدّد الثقة التي بنيت بين واشنطن والجيش. وذهب غراهام أبعد من ذلك بتشكيكه في جدوى استمرار الاستثمار الأميركي في دعم الجيش. وهم بذلك يتناسون بأن الجيش اللبناني جيش وطني ومن حقه توصيف الأمور كما هي، كما تناسوا ما يقوم به الجيش الإسرائيلي من خروقات واعتداءات مستمرة وقد طالت قوات اليونيفيل أيضاً.
رسالة سياسية لا علاقة لها بالأشخاص
مصادر دبلوماسية مطّلعة أكّدت أنّ إلغاء زيارة العماد هيكل لا يحمل أي أبعاد شخصية، بل يأتي في سياق رسالة سياسية واضحة مفادها أنّ واشنطن بصدد إعادة تقييم علاقتها بالمؤسسة العسكرية اللبنانية. وتشير هذه المصادر إلى أنّ دعم الولايات المتحدة للجيش، رغم أهميته، يبقى محدوداً في طبيعته ويأخذ شكل برامج تدريب وتجهيزات خفيفة، ما يجعل التلويح بوقفه ذا طابع سياسي أكثر منه إجراءً مؤثّراً على قدرات الجيش العملانية.
التزام الجيش بالقرار 1701 رغم التحديات
في موازاة ذلك، يبرز التزام الجيش اللبناني بتنفيذ القرار 1701 منذ وقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2024، رغم الإمكانات المتواضعة والظروف الاقتصادية الصعبة التي يرزح تحتها العسكريون. فقد استمر الجيش في التعاون الوثيق مع قوات “اليونيفيل” وفي ضبط الخروقات ومراقبة الحدود الجنوبية ضمن نطاق مسؤولياته، ما جعله عنصراً أساسياً في تثبيت الاستقرار.
وعليه، فإنّ أي إعادة نظر بالمساعدات العسكرية قد تشكّل عملياً إعاقة مباشرة لجهود تطبيق القرار 1701، وتضع لبنان أمام مخاطر أمنية إضافية في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.
المؤسسة الوطنية الأخيرة المتماسكة
ورغم الانقسامات السياسية الحادة في البلاد، بقي الجيش المؤسسة الوطنية الوحيدة التي حافظت على تماسكها وعلى تموضعها على مسافة واحدة من جميع الأطراف اللبنانية. وقد تحمّل الجيش الكلفة الأكبر من الانهيار الاقتصادي، لكنه ظلّ يقوم بواجباته في مكافحة الإرهاب وضبط الأمن والاستقرار، إضافة إلى دوره المحوري على الحدود الجنوبية.
دلالات تتجاوز البروتوكول
إنّ إلغاء زيارة قائد الجيش لا يمكن قراءته كبادرة بروتوكولية فحسب، بل كمؤشّر على توتّر متصاعد في العلاقة بين واشنطن والمؤسسة العسكرية اللبنانية، وعلى مقاربة أميركية أكثر تشدداً تجاه لبنان في المرحلة المقبلة. وفي المقابل، يبقى الجيش — بالنسبة لغالبية اللبنانيين — الركيزة الوطنية التي يعوَّل عليها في حماية ما تبقّى من استقرار داخلي، في ظل اهتزاز مؤسسات الدولة وتفاقم الضغوط الخارجية.
وفي انتظار ما ستكشفه الأيام المقبلة، يبقى المؤكّد أنّ الجيش اللبناني يجد نفسه مجدداً في قلب الاشتباك السياسي والدبلوماسي بين واشنطن وطهران، وبين الدولة اللبنانية ومراكز النفوذ الإقليمي… لكنه يبقى في نظر اللبنانيين الركن الأخير الذي لم يسقط بعد.

د. محمد حلاوي
أستاذ جامعي في كلية العلوم الاقتصادية في الجامعة اللبنانية، متخصص في الشأن الاقتصادي والسياسي والتحليلي. عضو في الهيئة التأسيسية في “المرصد الشعبي” في لبنان، ومتحدّث في قضايا التعاضد الاجتماعي والعدالة.
