بعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024، كان من المتوقع أن تشهد العلاقات بين دمشق وموسكو تدهورًا، ولا سيما مع تغيير النظام في سوريا. غير أنّ هذه التوقعات لم تتحقق، إذ لم تتأثر العلاقة بين الطرفين بشكل كبير، بل بقيت مستقرة، مع استمرار التعاون والتنسيق بينهما. وفي هذا السياق، لم تُلغِ دمشق أي معاهدة رئيسية موقّعة مع موسكو، بل عمدت إلى تعليق معظم الاتفاقات السابقة ريثما تُستكمل مراجعتها. ويعكس هذا التوجّه السياسة البراغماتية التي انتهجها الرئيس السوري أحمد الشرع في إدارة العلاقات مع روسيا، حيث سعى إلى الحفاظ على توازن دقيق بين صون المصالح السورية والروسية من جهة، والبحث عن فرص تعاون اقتصادي من جهة أخرى.
ويطرح سؤال نفسه في هذا الإطار: ما مصير القواعد العسكرية الروسية في سوريا؟ وما مستقبل الاتفاقيات السابقة المبرمة مع نظام الأسد، في ظل الانفتاح الغربي والدعم الأميركي لسوريا ونظامها الجديد؟
بعد سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول 2024، طُرحت العديد من الأسئلة حول مستقبل الوجود العسكري الروسي في سوريا، وما إذا كان الواقع الجديد في دمشق سيؤثر في الاتفاقيات العسكرية والاقتصادية التي أبرمها النظام السابق مع موسكو. وفي ظل التحولات الجيوسياسية الكبرى، والانفتاح الغربي على سوريا، والدعم الأميركي لنظام الرئيس أحمد الشرع، يبقى مصير هذه القواعد العسكرية وتلك الاتفاقيات موضع تساؤل واسع. ويتناول هذا المقال مستقبل القواعد العسكرية والاتفاقيات السابقة، إضافة إلى تأثيرات الانفتاح الغربي في طبيعة العلاقات السورية–الروسية.
مراجعة الاتفاقات والتعاون الاقتصادي
منذ تولي أحمد الشرع مسؤولية الحكم في سوريا عقب سقوط نظام الأسد، بقيت موسكو طرفًا أساسيًا في العمليات الاقتصادية والإنشائية في البلاد. وقد سعت دمشق إلى كسب دعم اقتصادي من موسكو، ولا سيما في مجالات الطاقة والوقود وإعادة الإعمار، وهو ما تُرجم في تموز 2025 من خلال اتفاق يقضي بمراجعة مجمل العقود السابقة بين الطرفين. وبذلك، واصلت موسكو تقديم دعمها الاقتصادي لسوريا، الأمر الذي أتاح لدمشق فرصة تعزيز التعاون مع روسيا في مختلف المجالات، وفي مقدمتها إعادة بناء الاقتصاد السوري الذي تضرر بشكل كبير نتيجة الحرب.
المستقبل الغامض للوجود العسكري الروسي في سوريا
أما في ما يتعلق بالمستقبل، فيبقى الوجود العسكري الروسي في سوريا مرهونًا بالاتفاقات المقبلة، التي قد تُستبدل باتفاقيات جديدة أكثر تواضعًا من سابقاتها. ففي وقت سابق، كانت روسيا قد وقّعت مع نظام الأسد، عام 2017، اتفاقية ثنائية تمنحها حق استخدام قواعدها العسكرية في سوريا لمدة 49 عامًا. غير أنّ التغيير الذي طرأ على السلطة في دمشق أدى إلى توقف العمل بهذه الاتفاقية، ما يجعل من المرجّح الدخول في مفاوضات حول اتفاقية جديدة تضمن لروسيا الحفاظ على وجود عسكري، من دون التمتع بالسيادة الكاملة على تلك القواعد.
ورغم التحديات التي يواجهها الجيش الروسي في سوريا في أعقاب التغيرات السياسية، لا تزال موسكو تنظر إلى وجودها العسكري هناك بوصفه جزءًا أساسيًا من استراتيجيتها في منطقة البحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط. وتبقى القواعد العسكرية الروسية في طرطوس وحميميم ذات أهمية حيوية لموسكو، إذ توفر لها نقاط انطلاق استراتيجية باتجاه الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
مستقبل القواعد العسكرية الروسية في سوريا
تُعدّ القواعد العسكرية الروسية في سوريا من الأصول الاستراتيجية الحاسمة لتعزيز النفوذ الروسي في منطقة الشرق الأوسط، ولا سيما في حوض البحر الأبيض المتوسط. وتشكل قاعدة حميميم الجوية في اللاذقية وقاعدة طرطوس البحرية الركيزتين الأساسيتين للوجود العسكري الروسي في سوريا، إذ توفران لموسكو قدرة متقدمة على التحكم في مسارات النقل البحرية والبرية، وتعملان كنقطتي انطلاق لعملياتها العسكرية في مناطق أخرى، مثل ليبيا ووسط أفريقيا.
ومع التغيرات السياسية التي شهدتها سوريا عقب سقوط نظام الأسد، بات مصير هذه القواعد العسكرية موضع اهتمام واسع. فعلى الرغم من التعديلات المحتملة التي قد تطرأ على الاتفاقيات العسكرية بين دمشق وموسكو، تشير التصريحات الرسمية السورية إلى عدم وجود نية لتقليص هذا الوجود، بل على العكس، تُبدي رغبة في تعزيز التعاون الأمني والعسكري بين الجانبين. ويتجلى ذلك بوضوح في اللقاءات التي عقدها الرئيس السوري أحمد الشرع مع المسؤولين الروس. غير أنّ ثمة تكهنات تتحدث عن احتمال تحويل هذه القواعد إلى مراكز لوجستية، بدل أن تبقى قواعد ذات سيادة كاملة لموسكو، وهو ما قد يفرض على روسيا دفع بدل إيجار لاستخدامها، وهو أمر لم يكن معمولًا به في ظل حكم الأسد.
مصير الاتفاقيات السابقة مع نظام الأسد
أبرم نظام الأسد، قبل سقوطه، العديد من الاتفاقيات مع روسيا، شملت الوجود العسكري الروسي في سوريا، إضافة إلى مشاريع اقتصادية مهمة، من بينها التنقيب عن النفط والغاز في عدد من المناطق السورية. ومن المتوقع أن تخضع هذه الاتفاقيات لمراجعات معمقة بعد سقوط النظام، في إطار قيام السلطات السورية الجديدة، بقيادة أحمد الشرع، بإعادة تقييمها بما يتوافق مع المصالح الوطنية المستجدة والتوجهات السياسية والاقتصادية الجديدة.
وعلى الرغم من أن هذه الاتفاقيات لم تُلغَ بالكامل، فإن دمشق باشرت فعليًا تعليق معظمها، بهدف إعادة النظر في العديد من بنودها. فعلى سبيل المثال، قد تتأثر الاتفاقيات المتعلقة بالموارد الطبيعية والقطاعات الاقتصادية بشكل خاص، في ظل الانفتاح الغربي والدعم الأميركي المتوقع لعملية إعادة إعمار سوريا في المرحلة المقبلة. إذ إن التوجه نحو تعزيز التعاون مع الدول الغربية، مثل الولايات المتحدة والدول الأوروبية، قد يؤدي إلى تعديل التزامات سوريا السابقة تجاه روسيا، ولا سيما في المجالات الاقتصادية.
الواقعية الروسية واستراتيجية الحفاظ على النفوذ
في المقابل، أعادت موسكو ترتيب أولوياتها في سوريا بواقعية واضحة. فبينما تقبلت تراجع نفوذها النسبي في البلاد، حرصت في الوقت ذاته على عدم خسارة الموقع السوري بوصفه ركيزة استراتيجية في الشرق الأوسط، ومنصة رئيسية لانطلاق العمليات العسكرية الروسية باتجاه أفريقيا. ومن هذا المنطلق، لم تُبدِ روسيا استعدادًا للتخلي عن قاعدتيها العسكريتين الرئيسيتين في سوريا: قاعدة طرطوس البحرية وقاعدة حميميم الجوية. وقد شكّلت هاتان القاعدتان نقطة ارتكاز أساسية للوجود العسكري الروسي في البحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط.
الاستراتيجية الروسية في سوريا: بين الدعم والتحديات
على الرغم من العقوبات المفروضة على سوريا، لا يزال الكرملين يبدي استعدادًا لتقديم الدعم لدمشق في مجالات متعددة. غير أن هذا الدعم يرافقه عدد من التحديات، من أبرزها استمرار العزلة الاقتصادية المفروضة على سوريا نتيجة العقوبات الغربية، وتزايد حدة المنافسة الاقتصادية بين روسيا وبعض الدول العربية الأخرى. وفي هذا السياق، تسعى موسكو إلى الحفاظ على موقعها بوصفها حليفًا أساسيًا لسوريا، في حين تحاول دمشق إيجاد توازن دقيق بين الاعتماد على الدعم الروسي، والانفتاح على فرص تعاون جديدة مع الدول العربية والقوى الدولية الكبرى.
ومن جهة أخرى، ورغم التحديات التي قد تواجهها روسيا في إدارة علاقاتها مع دمشق، فإنها تواصل الاستفادة من موقعها الاستراتيجي في المنطقة لتعزيز نفوذها العسكري والاقتصادي. وبناءً على ذلك، يبقى مستقبل العلاقات الروسية–السورية مرهونًا بقدرة الطرفين على التوصل إلى اتفاقيات جديدة تتلاءم مع المتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة.
زيارة الشرع إلى موسكو: استكمال التعاون وتوطيد العلاقات
في تشرين الأول 2025، قام الرئيس السوري أحمد الشرع بزيارة رسمية إلى موسكو، حيث التقى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وقد شكّلت هذه الزيارة تأكيدًا على استمرار تعزيز التعاون الثنائي بين البلدين. وخلال اللقاء، تمّ مناقشة عدد من الملفات الأساسية، بما في ذلك الوجود العسكري الروسي في سوريا والتعاون في قطاع الأمن. وأوضح الشرع أن دمشق أقامت “علاقات هادئة” مع روسيا بعد سقوط نظام الأسد، مما يعكس النهج البراغماتي الذي اعتمده الرئيس السوري في إدارة هذا الملف الحساس.
كما أكّد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف لاحقًا أن روسيا تعتبر سوريا “شريكًا مهمًا تقليديًا” في منطقة الشرق الأوسط، مشيرًا إلى أن التعاون بين البلدين لا يقتصر على المجالات العسكرية فحسب، بل يشمل أيضًا الدعم الاقتصادي لجهود إعادة الإعمار، بما في ذلك مشاريع الطاقة والبنية التحتية الأساسية. وأكد المسؤولون الروس استعدادهم لتقديم الدعم الفني والاستثماري اللازم لتقوية البنية التحتية في سوريا.
الانفتاح الغربي والدعم الأمريكي لسوريا
في سياق الانفتاح الغربي والدعم الأمريكي لسوريا، يُعد هذا التطور تحولًا استراتيجيًا مهمًا في السياسة السورية. فقد بدأت سوريا تعزيز علاقاتها مع الدول الغربية، بما في ذلك الولايات المتحدة، ما يعكس تغيرًا ملموسًا في توجهات السياسة الخارجية. ويشير هذا الانفتاح إلى إمكانية عودة سوريا بقوة إلى الساحة الدولية، ما يتيح لدمشق فرصة انتقاء حلفائها الجدد بشكل أكثر حرية.
ومن المتوقع أن يؤدي الدعم الأمريكي لسوريا في ظل نظام أحمد الشرع إلى تغييرات جوهرية في طبيعة العلاقات السورية–الروسية. فعلى الرغم من التعاون التاريخي بين دمشق وموسكو، فإن هذا الدعم قد يفرض على سوريا إعادة النظر في العديد من الاتفاقيات العسكرية والاقتصادية التي أُبرمت مع روسيا. كما قد يتضمن الدعم الأمريكي تقديم مساعدات اقتصادية واسعة النطاق، بما في ذلك مشاريع إعادة الإعمار، وهو ما قد يعزز استقلالية سوريا الاقتصادية ويقلل من اعتمادها على موسكو.
الآثار المحتملة على العلاقات السورية–الروسية
في ظل هذه التحولات، ليس من المستبعد أن تخضع العلاقات السورية–الروسية لتغييرات جوهرية. فقد تنحسر الهيمنة الروسية على الملف السوري تدريجيًا إذا ما نجحت سوريا في التوصل إلى تفاهمات استراتيجية مع القوى الغربية. ومع ذلك، يظل التنسيق قائمًا على الأصعدة الأمنية والعسكرية، لا سيما في ما يتعلق بمحاربة الجماعات الإرهابية في المنطقة.
وترى موسكو أن وجودها العسكري في سوريا يشكّل وسيلة مهمة لتوسيع نفوذها في الشرق الأوسط، ولذلك ستظل حريصة على حماية مصالحها في البلاد. غير أن هذا الوجود قد يواجه ضغوطًا متزايدة من حلفاء سوريا الجدد، ما يضع روسيا أمام تحديات جديدة في كيفية الحفاظ على تواجدها العسكري، خاصة إذا تمكنت دمشق من تأمين بدائل اقتصادية وسياسية بعيدًا عن موسكو.
باختصار، نجح الرئيس السوري أحمد الشرع في صياغة علاقة مع روسيا تحافظ على توازن دقيق بين القطيعة والتبعية. فمن جهة، لم تتخذ سوريا خطوات قاطعة ضد موسكو، ومن جهة أخرى، عملت على عدم حصر نفسها بالكامل ضمن التحالف مع روسيا، بما يعكس حرص الشرع على تأكيد استقلالية القرار السوري مع الحفاظ على العلاقات الاستراتيجية مع موسكو.
إن مصير القواعد العسكرية الروسية في سوريا، وكذلك الاتفاقيات السابقة مع نظام الأسد، سيعتمد بشكل كبير على ديناميكيات العلاقات بين دمشق والقوى الكبرى، ولا سيما الولايات المتحدة والدول الأوروبية. ورغم حرص موسكو على حماية مصالحها الأمنية والاقتصادية في سوريا، فإن الانفتاح الغربي على دمشق قد يساهم في إعادة رسم خريطة التحالفات في المنطقة.
ومن المتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة مفاوضات معقدة لإعادة النظر في الاتفاقيات العسكرية والاقتصادية، لكن من المؤكد أن سوريا، بقيادة الرئيس أحمد الشرع، ستسعى إلى الحفاظ على علاقات متوازنة مع جميع الأطراف، بما يعزز مصالحها الوطنية ويفتح أمامها فرصًا جديدة لإعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية.

د. خالد العزي
كاتب ومحلل سياسي لبناني مختص في العلاقات الدولية والشؤون الإقليمية. يُعرف بآرائه النقدية والتحليلية. يظهر الدكتور العزي اهتمامه بالقضايا السياسية اللبنانية والإقليمية، وتحليله للأحداث من منظور العلاقات الدولية.
