قراءة في إشكالية زواج المسلمة من غير المسلم

 

في عمق البنية الفقهية الإسلامية، تكمن مفارقة بالغة الدلالة تكشف عن خلل في توازن المقاصد وتحيّز في تفسير النصوص: يُحلّ للمسلم أن يتزوج من “كتابية”، مسيحية كانت أو يهودية، بينما يُحرَّم على المسلمة الزواج من رجل غير مسلم، حتى وإن كان من أهل الكتاب. هذه المفارقة التي يتم تمريرها عبر تبريرات تقليدية، لا تصمد كثيرًا أمام النقد العقلي والمقاصدي والقراءة التاريخية للنص القرآني.

فالآية التي يستند إليها الفقهاء في إباحة زواج المسلم من الكتابية، تقول: “والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن” [المائدة: 5]. وقد فُهمت هذه الآية في سياق الانفتاح على أهل الكتاب، الذين كانت تربطهم بالمسلمين صلات معقدة من الحروب والتحالفات والتجارة، فكان الزواج أداة من أدوات الاندماج الاجتماعي والتقارب الديني. أما تحريم زواج المسلمة من غير المسلم فيُستند فيه إلى آيات مثل: “ولا تُنكحوا المشركين حتى يؤمنوا” [البقرة: 221]، و {لا هنّ حلّ لهم ولا هم يحلّون لهنّ}. [الممتحنة: 10].

لكن التناقض لا يكمن في النصوص ذاتها، بل في القراءة الأحادية التي جُرّدت من سياقها التاريخي، والتي أُسقطت على كل زمان ومكان دون نظر في المقاصد أو تحولات الوعي الإنساني.

أولًا: بين الحرف والمقصد

القراءة الحرفية للنصوص أسقطت الاعتبار المقاصدي في مسألة الزواج، وحوّلت الحكم إلى أداة تمييز لا حماية. فالإسلام في جوهره لم يأتِ ليؤكد تفوّق الذكر على الأنثى، بل جاء ليؤسس لعلاقات إنسانية قائمة على التكافؤ والاختيار والاحترام المتبادل. وعليه، فإن تحريم زواج المسلمة من الكتابي بحجة “الخوف على دينها”، في حين يُباح للمسلم الزواج من الكتابية، فيه نظرة دونية للمرأة وكأنها كائن ضعيف يسهل أن يُستلب، بينما الرجل محصن ذاتيًا من التأثر، وهذا تصور يكرس النظام الأبوي لا روح الدين.

إن المنطق المقاصدي يفترض أن يُسأل: ما العلة في تحريم زواج المسلمة من غير المسلم؟ هل هو خشية التأثير على عقيدتها؟ إن كان الأمر كذلك، أفلا يخضع المسلم المتزوج من كتابية لنفس التأثير؟ بل أليست المرأة المسلمة اليوم – المتعلمة والمستقلة – أكثر قدرة على حماية قناعاتها؟ أليس الزواج في جوهره عقدًا إنسانيًا يستوجب الاحترام المتبادل بين طرفين ناضجين، لا خضوع أحدهما للآخر دينيًا؟

ثانيًا: المنظور التاريخي والسلطة الذكورية

حين نقرأ النصوص في سياقها التاريخي، نجد أن منع زواج المسلمة من غير المسلم كان مرتبطًا بموقع الجماعة المسلمة في علاقتها بغيرها، وبسياق الصراع السياسي والعسكري والديني. أما اليوم، وقد تغيّرت السياقات، وانتقلت المجتمعات إلى منظومات مدنية تضمن حرية المعتقد والاختيار، فإن الإبقاء على نفس الأحكام دون تعديل مقاصدي يفضي إلى نتائج عكسية: تمزّق أسري، اضطرار للتحايل، أو حتى الخروج من الدين.

الفقه التقليدي، للأسف، استبطن بنية ذكورية جعلت الرجل ممثلًا للإسلام، واعتبرت المرأة ملحقة به. ولذلك حين تُدرس المسألة فقهيًا، كثيرًا ما يتم استبعاد إرادة المرأة كعنصر فاعل في القرار، وكأنها تُختزل في وظيفتها التناسلية أو خضوعها لسلطة الزوج. لكن الإسلام حين نزل، كان ثورة على هذا النمط من التصور. فكيف نعيده إليه اليوم باسم “صيانة العقيدة”؟

ثالثًا: نحو تأويل تحرري

إن القراءة التأويلية المعاصرة للنص القرآني، والتي تستند إلى علم الهرمنيوطيقا (تأويل النصوص)، تدعونا إلى التفريق بين ما هو “تشريعي مقصدي” وما هو “تنظيمي ظرفي”. فالآيات التي تحرم زواج المسلمة من غير المسلم يجب أن تُفهم في ضوء سياقها السياسي والديني، لا أن تُطلق على كل غير مسلم في كل زمان.

فالمسيحي أو اليهودي اليوم ليس بالضرورة “مشركًا” بالمعنى الجاهلي، بل هو مؤمن بالله، وإن اختلفت عقيدته، وهو ما تؤكده آيات كثيرة: “إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر فلهم أجرهم عند ربهم” [البقرة: 62].

كما أن الواقع يثبت أن كثيرًا من الزيجات بين أتباع ديانات مختلفة تقوم على الاحترام والحوار والتفاهم، بل أحيانًا يُسهم الشريك المختلف دينيًا في تقوية إيمان الطرف الآخر. فهل تكون الشريعة، حين ترفض هذا النوع من الزيجات، تخدم مصلحة الإنسان؟ أم تُعيد إنتاج الخوف من الآخر بدل التعايش معه؟

دعوا المنطق يتكلم
حين يُقصى المنطق باسم الحرف، وتُستبعد المرأة باسم الحماية، ويتحوّل الدين إلى منظومة أبوية متحجرة، يكون الفقه قد فقد وظيفته الحضارية. ليس المطلوب نسف النصوص، بل تجديد قراءتها بروحها لا بحرفها، بمقاصدها لا بسياقاتها الظرفية. آن الأوان أن نحرر المرأة المسلمة من هذا التناقض التشريعي، وأن نعيد النظر في الأحكام التي تُقصيها من حق إنساني أصيل: حرية الاختيار.

فالدين، في جوهره، لا يُبنى على السيطرة، بل على الحرية. ولا يُقام على القهر، بل على الوعي. فدعوا المنطق يخرج من الزاوية… فقد آن له أن يُصغي إليه النص لا أن يُقصى عنه.

مقالات الكاتب

د. محمد ترحيني

كاتب لبناني حاصل على شهادة الدكتوراه في السيكولوجيا والسوسيولوجيا، ومدير مركز التنوير للدراسات الفكرية والتحقيق، وراعي للحوار بين الأديان والحضارات على المستوى العالمي. عضو في "اللقاء الروحي" في لبنان، ومشارك في أكثر من خمسين مؤتمراً داخل لبنان وخارجه، مع تركيز على حوار الأديان والأقليات الدينية، ونشر قيم الوسطية والاعتدال.