ليست الصورة مع «الزعيم» في لبنان مجرّد لقطة عابرة تُلتقط بهاتف محمول. إنّها طقسٌ اجتماعيّ ـ سياسيّ كامل، يتجاوز حدود التوثيق البصري إلى مستوى الرمزية الثقيلة التي تُعيد إنتاج منظومة الولاء وتُغذّيها. إنّ هذا التسابق المحموم لالتقاط «سيلفي» مع مسؤول أو زعيم ليس فعلًا بريئًا، بل تعبيرًا عن رغبة دفينة في الانتماء إلى دائرة النفوذ، وإلى «ظلّ السلطة» بكل ما يحمله هذا الظلّ من وهم حماية، ووعود غير معلنة بالوساطة، وبحجز مقعد في هامش الامتيازات.
على المستوى السيكولوجي، يبدو المشهد كأنّه تبادلٌ متوازن للغرائز المتناقضة:
- الزعيم يتضخّم نرجسيًا. تتورّم أناه كلّما التفّ حوله الناس، كأنّ الحشود تعيد شحن شرعية غائبة أو مفقودة. في حضرة الكاميرا، يتحوّل إلى «غضنفر»، يستعرض عنفوانًا مُتخيَّلًا لا يرتبط بإنجاز، بل بردّة فعل الجماعة التي تحيط به، تمامًا كما يتخيّل الإله نفسه عندما يرى المصلّين يسجدون أمامه.
- الأتباع، في المقابل، يعيشون لحظة وهمٍ جماعيّ بالاقتراب من «المقدّس الدنيوي»، فيشعرون أنّ الصورة تمنحهم قيمة مضافة، تُجمّل هشاشتهم الاجتماعية، وتُرمّم شعورًا بالنقص أو العجز. الصورة هنا ليست ذكرى، بل وثيقة إثبات نفوذ، بطاقة مرور إلى عالم المكاتب المغلقة والمصالح الخفية.
المفارقة المؤلمة أنّ كثيرًا من هؤلاء الذين يتحلّقون حول المسؤولين هم أصحاب شهادات عليا، وباحثون، ومتخصصون، يفوقون «الزعيم» علمًا وثقافة، لكنّهم ينهزمون أمام سحر النفوذ، فيتحوّل بعضهم إلى «مفاتيح انتخابية»، يتغذّون من فتات السلطة، ويحوّلون الصورة إلى أداة تشبيح اجتماعي، يلوّحون بها بوجه المجتمع والآخرين، هم يقولون لنا: انظروا… نحن قريبون من المركز؛ نحن نملك القدرة على التوسط والتجاوز والخرق؛ نحن نمرّ حيث لا يمرّ الآخرون.
ولأنّ الدولة اللبنانية مشوّهة، تحوّل المسؤول الفاسد ومحيطه إلى جماعة وساطة تُتاجر بما ليس ملكًا لها أصلاً: الزفت الموزّع كأنّه ملك شخصي، رخص السلاح والزجاج الداكن، بونات البنزين، عناصر الحرس، وكل ما يمكن تحويله إلى سلعة زبائنية. هي موارد الدولة التي تُنهَب لتكريس «الزعامة»، بدل تكريس المؤسسات.
والأنكى أنّ بين المتحلّقين حول هؤلاء المسؤولين مَن هم خارجون عن القانون أصلًا: مثيرو فتن، مسيئون للغير، طائفيون حتى نخاع العظم، عديمو الكفاءة والخلق. لكنّهم يجدون في الصورة غطاءً يجعلهم فوق المحاسبة، ويحوّل انحرافهم إلى «بطولة» مزيفة، لأنّ قربهم من الزعيم يمنحهم حصانة رمزية.
أما الرسالة التي تبعثها الصورة، فهي مزدوجة:
- المسؤول يريد أن يقول: «أنا مُحاط، إذًا أنا قويّ».
- المتصوِّر يريد أن يقول: «أنا قريب، إذًا أنا مهمّ».
في الحالتين، هناك هشاشة مرضيّة تُغطّي نفسها بأوهام القوة والهيبة. لا الزعيم يمتلك قوة حقيقية، ولا التابع يمتلك مكانة فعلية. إنّها علاقة قائمة على الفراغ، تُغذّيها بنية سياسية مريضة جعلت من الصورة بديلًا عن الشرعية، ومن الولاء بديلًا عن الكفاءة، ومن القرب بديلًا عن القانون.
إنّ هذا المشهد، الذي يتكرر يوميًا، ليس مجرّد «سيلفي سياسي». إنّه عرضٌ مُعلن لمرض اجتماعيّ عميق: مرض الزعامة، ومرض الاتكال، ومرض الهروب من المواطنة باتجاه التبعية، ومرض تحويل السياسة إلى مزرعة شخصية.
بهذا المعنى ليست الصورة مع الزعيم أو المسؤول تفصيلًا. إنّها مرآة لأزمة مجتمع كامل، ما زال يرى السلطة على شكل «ربّ قبيلة»، لا على شكل مؤسسات تُدار بالقانون. وما دام الناس يسعون إلى التقاط الصورة كأنّها عبور إلى الخلاص، سيبقى الزعيم يتخيّل نفسه إلهًا صغيرًا، يوزّع النعم، ويستعرض الحشود، بينما الدولة تتآكل من الداخل.
من «تقديم الذات» إلى «عرض السلطة»
تحليل تأثير التقاط الصور الجماعية مع مسؤول يذكرنا تمامًا بما عرضه إرفنغ غوفمان في كتابه الشهير تقديم الذات في الحياة اليومية. غوفمان يرى أن الحياة الاجتماعيّة تشبه مسرحًا: حيث «يؤدي» كل فرد دوره، ويعرض نفسه بطريقة تجعل الآخرين يصدقون الصورة التي يريد أن يروها.
حين يصطف الناس حول «زعيمهم» ليتصوروا معه — في لحظة «سيلفي جماعي» أو صورة رسمية — فإنهم لا يمارسون مجرد توثيق، بل يديرون انطباعهم وهم يعلنون ولاءهم، ويبحثون عن هوية ضمن منظومة النفوذ. وبالمقابل، المسؤول أو الزعيم يستغل اللحظة لإعادة إنتاج صورته كـ «قوّة» محورية — مستخدمًا الصورة كأداة أداء سياسيّة وسلطة رمزية.
«السلطة الرمزية» ورأسمال النفوذ
وفق بيير بورديو، هناك أنواع من «رأسمالات» لا تُقاس بالنقود، بل بـ «رمزية» تمنح حاملها امتيازًا اجتماعيًّا ونفوذًا.
بمعنى آخر، الصورة لا تشهد على علاقة فعلية أو دور موثوق فيه، بل على «امتياز مُستنَقَض» — امتياز قائم على الانتماء الظاهر، لا على القدرات أو الكفاءة. وهكذا، تتحوّل الدولة إلى «مزرعة وساطة»، تصبح فيها الصورة بديلًا عن الشهادة، والتبعيّة بديلًا عن المواطنة، والولاء الاجتماعي بديلًا عن الكفاءة.
لماذا يشارك «المثقّفون والجامعيون»؟
المفارقة التي تثير الاستغراب هي أن من يقفون في «طوابير الولاء البصري» ليسوا دائمًا ممّن يفتقرون إلى العلم أو الشهادة. بل أحيانًا هم أرفع منهم درجًا أكاديميًّا!
لكنّ رأسمال المعرفة لا يساوي بالضرورة رأسمال النفوذ أو الرمزية في المجتمعات التي تعيش تبعية للوساطة والزعامات. الصورة تمنح حاملها — مهما كان بسيطًا فكريًّا — امتياز «القرب» من مركز القرار، وهو ما رآه البعض طريقًا أسرع إلى مناصب أو مصالح.
إذن، ليست الصورة مجرد «لقطة»، بل إعلان رمزي عن انتماء اجتماعي–سياسي، يعيد توزيع مواقع النفوذ خارج إطار الكفاءة والمؤسسات.
صورة الزعيم: من سيلفي إلى علم عبودية
الصورة مع الزعيم، إذا ما رُمّمت بمنظور نقدي، تصبح وثيقة عبودية اجتماعية:
- عبودية لزمن السلطة (وقت الحكومة، نفوذ، خدمات).
- عبودية للفرد بدلاً من المؤسسات.
- عبودية للتبعية بدل المواطنة.
وكلما انتشرت هذه الطقوس البصريّة — سواء في حفلة انتخابية، مناسبة رسمية، أو حتى «سيلفي عشوائي» — كلما تعززت فكرة أن القوة تنبع من الصورة، لا من الحق، ولا من الشرعية، ولا من الكفاءة.
وهنا تتحوّل الصورة إلى أداة تأبيد سلطوي: الزعيم يصور نفسه «غضنفرًا» محاطًا بالطاعة، والمتصوِّر يصوِّر نفسه «مفتاحًا» للموارد والمتاجِر بالقرب، والدولة تتحول من كيان مؤسساتي إلى شبكة وساطة عائلية وزبائنية.
لأنّنا أمام زمنٍ تختبئ فيه السلطة تحت غبار الصور، يصبح من واجب المثقف — صحافيًّا أو باحثًا أو مواطنًا واعيًا — أن يُنزع عن الصورة غلاف القداسة ويُظهرها كما هي: أداء اجتماعي رمزي لعلاقات تبعية.
ليس المطلوب الحرمان — الصور جميلة وتذكارية — لكن المطلوب وعي: ألا تُصبح الصورة معيارًا لهيبة، وألا تزيّف السلطة بأنها «قُرب من الزعيم» بدل أن تكون «قُرب من الناس». وألا تُستبدل المؤسسات — مهما كانت ضعيفة — بسلطة الفرد الزائلة، ولا تُستبدل المواطنة بالتبعية.
في النهاية، ليست الصورة التي تهمّ. ما يهمّ هو ما وراء الصورة: علاقات السلطة، آليات المحاباة، نموذج الدولة، ومنطق العدالة أو الزبائنية.
الصورة كأداة حكم لا كتفصيل بصري
ما تقدّمه هذه الظاهرة هو أكثر من مجرد «سلوك اجتماعي». إنّها لغة السلطة في لبنان: سلطة تُرى بالصور أكثر مما تُمارس بالقانون؛ ومجتمع يفضّل بطاقة النفوذ على بطاقة المواطنة؛ ودولة تُدار بعدسات الهواتف أكثر مما تُدار بالمؤسسات.
هكذا تتحوّل «اللقطة» إلى بنية حكم، ويتحوّل الزعيم إلى «علامة تجارية سياسية» تحكم من خلال الرمزية قبل النفوذ الفعلي.

د. زياد منصور
أستاذ في قسم التاريخ في الجامعة اللبنانية، وباحث في القضايا الروسية.
