أصعب من حكم الصين… وأسهل من حكم سويسرا

لبنان أصعب من حكم الصين، وأسهل من حكم سويسرا. نعم. فإذا عرف المسؤولون كيف يُدار الحكم في لبنان، بنوا بلدًا متطورًا ومزدهرًا. كل ما ينقصنا هو الإدارة الرشيدة، وانتقاء مسؤولين نظيفي الكف، يحبون بلدهم (لا تتفاجأوا – يحبون بلدهم)، ويعملون بكل قواهم، ومن كل قلوبهم، من أجله ومن أجل شعبه. فهذا الشعب القوي فرديًا والضعيف جماعيًا، عانى الكثير، وتحمّل الكثير من الحروب والمآسي والقتل والتهجير والتدمير. وكل ما نطلبه هو التخفيف، على الأقل، من مآسيه، وليس إزالتها بالكامل في الوقت الحاضر.

كل ما نطلبه هو تأمين الحد الممكن من المتطلبات كي يستمر هذا الشعب في العيش. لماذا الكهرباء موجودة ومتوافرة في جميع دول العالم، وحتى في مجاهل أفريقيا، وغير متوافرة في لبنان، حيث تنتشر عشرات آلاف المولدات الكهربائية التي يملكها أشخاص وأحزاب في السلطة؟

ولماذا طرقاتنا مليئة بالحفر والتضاريس، بعكس سائر الدول؟ ولماذا هي مظلمة، بلا إنارة ولا إشارات؟ ولماذا يعمّ الفساد في معظم الإدارات والمؤسسات، فيشيّد الموظفون أفخم المباني ويقتنون أفخم السيارات، فضلًا عن حياة البذخ والترف والسفر، ولا من يسأل؟ وهل تحتاج هذه المظاهر إلى دليل إضافي على الرشى والسرقة؟ رحم الله من قال يومًا:

يا مديرَ الاقتصاد الوطني
قُل لي من أين أصبحتَ غنيّ
لم تُهاجر، لم تُتاجر
لم ترث عن أبيك الفذّ غير الرَّسَن
(رَسَن الحمار).

وهل تحتاج هذه المظاهر إلى أدلة أخرى غير التحقيق الجدي والنظيف والشجاع؟

من أخطر ما قد يميّز المسؤول صداقاته مع أشخاص مرتكبين. فقد كان الجنرال ديغول يقول إن على المسؤول ألا يكون لديه أصدقاء، فكيف إذا كانوا مرتكبين، ومن أصحاب المصالح والصفقات؟ ألم يقل رئيس المجلس الدستوري الفرنسي «دوبادير» للرئيس الفرنسي: «لدي موجب واحد تجاهك، وهو نكران الجميل»؟

عمليًا، لو كنت مكان المسؤولين، لفعلت ما يلي: نتابع على شاشات التلفزة حملات تبرعات لمشاريع إنسانية أو إنمائية أو اجتماعية… إلخ. وطالما أن تلفزيون لبنان هو تلفزيون رسمي، ولا يطلب أي مبلغ للقيام بمثل هذه الحملات، فلماذا لا يكون هناك إعلامي نشيط وكفوء، مثل طوني بارود، يقوم بحملة تبرعات مدروسة ومنظمة، تواكبها حركة على الأرض تتعلق، مثلًا، بحوادث السير، أو بتقارير حول مضار المولدات الكهربائية؟

ويتم التبرع بإشراف لجنة من نقباء المهن الحرة في بيروت وطرابلس (محامون، مهندسون، أطباء، صحافة، محررون، أطباء أسنان، معالجون فيزيائيون، صيادلة، ممرضون، محاسبون، طوبوغرافيون… إلخ)، وهم منتخبون من عشرات آلاف أصحاب المهن الحرة وموضع ثقة. وهم من يقررون صرف المبالغ على هذا النوع من المشاريع، وذلك بالتنسيق مع مجلس الوزراء، صاحب القرار في إنشاء هذا المشروع النافع، من دون أن يتدخل في أي تفصيل، بل يقتصر دوره على إقرار إنشائه.

ولا يمكن إدخال «الواسطة» في هذا السياق، لأن النقباء معروفون ومنتخبون من نخبة المجتمع، ولن يفرّطوا، بطبيعة الحال، بالأموال. وفي هذه الحالة، يتحمّس المواطنون للتبرع، لأنهم يعرفون الهدف من التبرع، ويثقون بنقباء المهن الحرة، ولأنهم لا يتبرعون، كما يقول المثل، «سمكًا في بحر»، بل يعلمون جيدًا أن المشاريع محددة وستُنفّذ بشفافية.

هذا مشروع عملي، بأدق تفاصيله، وقد يساهم في حل مشكلة الكهرباء والطرقات وغيرها. أما محاربة الفساد في الإدارات، فتتطلب إطلاق يد القضاء النزيه لملاحقة المرتشين من دون هوادة، أياً تكن طائفتهم أو مناطقهم أو أحزابهم أو تجمعاتهم، وفضح كل من يتدخل لمساعدتهم أو لمنع محاكمتهم.

هكذا تُبنى الدولة، لا بالمظاهر، ولا بالسفر، ولا بالاستقبالات الفولكلورية التي تستهلك وقت المسؤولين، فيما هم لا يضعون شعبهم في صورة أعمالهم ونشاطاتهم وإنجازاتهم وتحركاتهم.

مقالات الكاتب

ناضر كسبار

نقيب المحامين السابق في بيروت.