الدولة التي لم تمنع الكارثة لا يحق لها إدارتها… تنحّوا لا بل استقيلوا!

ما تعرّض له لبنان فجر اليوم من ضربات عسكرية هو نتيجة منطقية لمسار تراكمي من التفكك المؤسسي، والعجز الرسمي، والتواطؤ المقنّع، وهي مسؤولية لا يجوز اختزالها بفاعل واحد، مهما بلغت خطورة دوره.

صحيح أن ما أقدم عليه حزب الله يرقى إلى مستوى القرار المتهور، غير المحسوب سياسياً ولا وطنياً، والذي لم يراعِ بيئته الحاضنة، ولا المجتمع اللبناني، ولا ميزان الكلفة الوجودية التي يدفعها بلد منهك تماماً. كما أنه، في الوقت نفسه، وفّر مجدداً ذريعة جاهزة لكيان إجرامي اسمه إسرائيل، ذريعة لا يحتاجها أصلاً لمواصلة سياساته التدميرية في الإقليم.

لكن من حقنا أن نسأل: هل كان لهذا الخيار العبثي أن يُتخذ، لو اضطلعت الدولة اللبنانية بمسؤولياتها الفعلية، بكل مكوّناتها الدستورية، منذ أشهر وحتى اليوم، لمنع الانزلاق إلى هذه اللحظة؟

أين رئيس الجمهورية؟ أين رئيس الحكومة ومجلس الوزراء؟ أين نواب الأحزاب بلجانهم الدائمة وخطاباتهم السيادية الظرفية؟ ما القرار المفصلي الذي اتُّخذ بعد ما سُمّي «حرب الإسناد» سوى إدارة الأزمة بالوقت، وشراء المراوغة بالتصريحات، والاحتماء الدائم خلف معادلة الاستنكار اللاحق للكارثة بدل العمل الوقائي المسبق؟

تدّعي إسرائيل أنها استهدفت مستودعات سلاح. هذا الادعاء، بصرف النظر عن مدى صحته، يحمل دلالة سياسية وأمنية خطرة لا بدّ من الوقوف عندها: أن مواقع هذه المستودعات معروفة. وعليه، لماذا لم تتحرك الدولة؟ ولماذا لم يضع الجيش اللبناني يده على هذه المواقع؟ ولماذا تُرك قرار السلم والحرب معلّقاً بين ذرائع «توازنات داخلية» ومنطق ابتزاز سياسي دائم؟

المعضلة لم تعد محصورة بوجود سلاح خارج إطار الشرعية، بل باتت تتمثل في غياب شرعية القرار ذاته. فنحن أمام سلطة متكاملة — رئاسةً وحكومةً ووزارةً ونيابةً وأحزاباً — تجتمع بانتظام لإقرار زيادات ضريبية على شعب مستنزف، بلا دخل مستقر، وبلا ضمانات اجتماعية، وبلا حدّ أدنى من الحماية المعيشية، لكنها تعجز عن الاجتماع مرة واحدة لإنتاج مقاربة وطنية جدّية تحول دون جرّ لبنان إلى حرب شاملة.

هذه الطبقة السياسية أثبتت براعتها في تمرير مراسيم من خارج جداول الأعمال، وفي عقد التسويات والصفقات غير المعلنة، وفي إعادة إنتاج نفسها عبر لوائح انتخابية «على القياس»، وفي بناء شبكات مصالح لانتخابات قد لا تُجرى أصلاً. لكنها، في المقابل، أخفقت إخفاقاً فادحاً في إنتاج لحظة وطنية جامعة واحدة، يتقدّم فيها الصالح العام على الحسابات الفئوية، ويُستعاد فيها مفهوم الدولة كمرجعية نهائية.

لم يعد ثمة شكّ في أنّ من يتصدّرون خطاب «حماية لبنان» والدفاع عنه، هم أنفسهم — عن وعي أو عن مصلحة أو عن عجز متعمّد — من قادوه إلى ما هو فيه. في هذا المعنى، الخطر الأساسي ليس من الخارج وحده، بل في الداخل، في بنية سلطة أتقنت استخدام لغة السيادة لتبرير تعطيلها، وتفنّنت في استدعاء الخارج لتغطية فشلها السيادي.

ما يحتاجه اللبنانيون اليوم ليس بيانات إدانة واستهلاك لغوي من نوع «نرفض ونستنكر ونُدين». هذه اللغة فقدت معناها، واستُهلكت حتى التلاشي. وما يُرفض صراحة هو استمرار إغراق الرأي العام بشعارات جوفاء بعد كل ضربة، فيما الواقع يؤكد أن هذا البلد لم يعد أكثر من ورقة تفاوض، ومنصة تبادل مصالح، فيما المواطن هو الضحية دوماً واللبنانيون يدفعون كلفة خيارات لم يكونوا يوماً شركاء في اتخاذها.

من هنا، فإن المطالبة لن تقتصر بعد اليوم على ضبط الحدود أو إنهاء المغامرات العسكرية غير المحسوبة، بل تتعداها إلى إسقاط منظومة العجز السياسي برمّتها: رئاسة فاقدة للقرار، حكومة بلا سيادة فعلية، أحزاب تتسكّع على أبواب الخارج لحجز ما تيسّر من مقاعد في برلمان متواطئ بالصمت أو بالعجز، وطبقة سياسية تتقن فنّ النجاة الفردية وتفشل في تحقيق النجاة الجماعية.

وإن كان لدى المسؤولين ما تبقّى من حسّ أخلاقي، فصمتكم بات أبلغ من خطاباتكم. لأن شعباً صبر طويلاً، لو أُتيح له أن يحاسبكم، لما وجد لكم مكاناً سوى… مزبلة التاريخ.

مقالات الكاتب

كارين عبد النور

صحافية وكاتبة لبنانية، حاصلة على شهادة في الرياضيات الأكتوارية. تعمل في مجال الإدارة المالية والمؤسسات التربوية في لبنان. تتمتع بخبرة صحافية حيث تميزت بكتابة التحقيقات خاصة الاستقصائية منها.