لقد مثّلت المقابلة التي أجرتها قناة فوكس نيوز مع زعيم هيئة تحرير الشام، أبو محمد الجولاني، لحظة صادمة أثارت موجة من التساؤلات الأخلاقية والسياسية حول طبيعة التحولات المعلنة في خطاب الرجل، الذي يقدّم نفسه اليوم كقائد شعبي يدير سوريا، بعد أن كان أحد أبرز الوجوه الجهادية المتشددة المنتمية إلى تنظيم “القاعدة”.
في اللقاء، وجّهت المذيعة سؤالاً مباشراً للجولاني عما إذا كان يشعر بالندم على قتل المدنيين خلال فترة ارتباطه بالقاعدة؟ لكن الجواب الذي جاء خالياً من أي إحساس بالذنب، بدا كاشفاً أكثر مما أراد صاحبه أن يخفيه. إذ أجاب الجولاني، ببرودٍ لافت، بأنه كان “شاباً صغيراً آنذاك، ولا يملك القرار في مثل هذه الأمور”، قبل أن يختتم بقوله للمذيعة: “أنت تسألين الشخص الخطأ”.
تلك الجملة المقتضبة كفيلة بتعرية جوهر الرجل، فبدل الاعتراف الأخلاقي أو حتى المواربة السياسية، لجأ الجولاني إلى إنكار المسؤولية عبر تبرير مبطن بالجهل أو الصِغَر، متجاهلاً حقيقة أنه شغل أدواراً قيادية محورية في التنظيم منذ بدايات الحرب السورية.
مفارقة الخطابين: من الولاء العقائدي إلى التبرؤ الانتهازي
لفهم هذه المفارقة بعمق، يمكن العودة إلى مقابلة أجراها الجولاني قبل نحو عشر سنوات على قناة الجزيرة مع الإعلامي أحمد منصور، وهي واحدة من المقابلات القليلة التي أطل فيها وبخطاب أيديولوجي صريح. في تلك المقابلة، لم يُخفِ الجولاني إعجابه بأسامة بن لادن، واصفاً إياه بـ”الشيخ المجاهد”، وتحدث عن “عبقرية العملية” التي استدرجت الأميركيين إلى الشرق الأوسط من خلال أحداث 11 سبتمبر، وكأنها خطوة استراتيجية محسوبة لا عملاً إرهابياً دموياً أودى بحياة الآلاف من المدنيين الأبرياء.
هذا التوصيف في حينه كان بمثابة إعلان ولاء عقائدي لا لبس فيه، عبّر عن رؤية صلبة تبرر القتل باسم “الغاية الدينية”. أما اليوم، فإن ذات الرجل الذي وصف بن لادن بـ”الشيخ المجاهد”، يحاول في حواره مع قناة أميركية أن يرتدي عباءة الاعتدال والانفتاح السياسي، متذرعاً بأنه لم يكن صاحب قرار. لحسن الحظ، من الصعب محو الذاكرة الإعلامية، والتناقض الصارخ بين الخطابين يكشف أن التحول ليس فكرياً أو قيمياً، بل هو تحول تكتيكي بحت فرضته الحاجة إلى القبول الدولي.
غياب الندم كدليل على ثبات القناعة
هدوء مفتعل، ابتسامة مقتضبة، نبرة خطابية خالية من أي عاطفة، وصياغة دفاعية متكررة تبدأ بـ”أنا لم أكن…” وتنتهي بـ “لم أقرر…”. هذه العلامات النفسية تشير إلى آلية إنكار دفاعية، أي أنه لا يشعر بالندم، بل يسعى إلى تبرئة ذاته من الماضي دون مراجعة جوهرية له. ولكن تبرؤ الجولاني من المسؤولية بقوله “لم أتسبب بمقتل بريء” ينهار أمام الوقائع الموثقة لـ”جبهة النصرة” التي كان يقودها بنفسه بعد انشقاقه عن تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) في مطلع عام 2012.
لم تكن النصرة مجرد جماعة مسلحة، بل كانت تنظيماً إرهابياً تبنّى بوضوح وبتوقيع قيادته المباشرة عمليات إرهابية استهدفت مناطق مدنية وحيوية في دمشق تحديداً في عامي 2012 و2013. وتشمل هذه العمليات تفجيرات دموية تبنّتها النصرة في أوقات حاسمة، مثل تفجيرات استهدفت مناطق في دمشق في مارس وأبريل ومايو 2012، حيث أسفرت عن مقتل وإصابة المئات من المدنيين الأبرياء غالبيتهم من السنّة.
هذه التفجيرات، التي نفذها انتحاريون بسيارات مفخخة، كانت تحمل بصمة تنظيمية واضحة ومتبناة رسمياً، ما ينسف ادّعاء الجولاني بأنه غير مسؤول عن دماء الأبرياء التي أريقت تحت اسم تنظيمه وبأوامره المباشرة.
التحول الشكلي والمصلحة السياسية
تسعى هيئة تحرير الشام منذ سقوط نظام الأسد إلى إعادة تسويق نفسها في المحافل الدولية، كمكوّن محلي “موثوق” يمكن التعامل معه من خلال شخص الجولاني. إلا أن جوهر هذا المشروع يقوم على تبييض صورة زعيمها، وإعادة تأطير ماضيه الدموي في سياقٍ سياسي جديد، دون أي اعتراف أو مساءلة.
منطقياً، لا يجب على المجتمع الدولي أن يقيس الاعتدال بالكلمات المنمّقة في المقابلات التلفزيونية، بل بمستوى الندم والاعتراف بالخطأ وتحمّل المسؤولية، وهذا ما غاب تماماً عن حديث الجولاني. خاصةً أن نفيه المسؤولية لا ينقض فقط حقائق التاريخ، بل يُعدّ ازدراء لضحايا الإرهاب الذين سقطوا في العراق وسوريا ولبنان، خلال حقبة كانت تنظيماته جزءاً من آلة القتل العابر للحدود.
حول سؤال الشخص الخطأ!
حين قال الجولاني للمذيعة: “أنت تسألين الشخص الخطأ”، ربما كان محقاً بشكل جزئي، لأنّ السؤال لم يكن موجهاً إلى رجل تاب أو غيّر مساره، بل إلى رجل قرّر ببساطة أن يُبدّل القناع دون أن يبدّل الإيمان الداخلي بالفكرة التي قادته إلى القتل.
غياب الندم، وغياب الاعتراف، وغياب المراجعة الفكرية، كلها مؤشرات تقول بوضوح: إن ما تغيّر في الجولاني ليس فكره، بل خطابه الإعلامي، وأن ما يقدّمه اليوم للعالم ليس مشروع سلام، بل إعادة تدوير لزعيم إرهابي بملابس مدنية، يسعى لشراء الشرعية الدولية بثمن بخس هو إنكار الماضي بكل بساطة.

لواء حسين
ناشط سياسي سوري في أوروبا.
