قانون الانتخاب لا يكفي وحده لبناء الدولة

لبنان بحاجةٍ إلى ورشةٍ إصلاحية جذرية، تنقله من ضفّةٍ إلى ضفّة، من العجز والضياع إلى دولةٍ ملتزمةٍ بتطبيق الدستور بروحيّته وإلزاماته. فالابتعاد عن هذا الهدف يُبقي عقدَنا الاجتماعي مجرّد وجهة نظر قابلة للتأويل، ومخرجاً سياسياً للطائفيين والفاسدين والمتلاعبين بمصالح هذا البلد وشعبه، للتهرّب من مسؤولياتهم.

ببساطة، إنّ وضع قانون عصريّ للأحزاب يأتي في صُلب الإصلاحات السياسية، ومدخلاً أساسياً لأيّ تغيير. فالأحزاب ليست مجرّد تجمعات شعبية، بل كيانات ذات بُعد سياسي يجعل وجودها مرتبطاً بالبرامج الانتخابية، وبناء ثقافة الاختيار والمحاسبة عبرها. ولها أيضاً بُعد قانوني، من خلال الأنظمة المرعيّة الإجراء، حيث يعزّز الالتزام بها دور الدولة وهيبتها. وهنا تصبح الأحزاب المعيارَ الراشد للتفريق بين ما هو قائم، وبين ما يجب أن يكون.

ويمكن القول إنه مهما بلغت أهمية تأمين صحة التمثيل في القوانين الانتخابية، وما تتيحه من دخول نخب جديدة إلى البرلمان تضخ الدم في عروق النظام السياسي وتعيد تفعيله، فإن غياب الدور الحقيقي للأحزاب عطّل الوظيفة الأبرز لهذه القوانين، وهي إنتاج سلطة خاضعة للمحاسبة الشعبية، تحترم الدستور وتستمد شرعيتها من العملية الانتخابية ذاتها.

فالمجتمع الديمقراطي يقوم على ركيزة تداول السلطة، ووجود أحزاب معارضة يضمن لها الدستور دورها الرقابي والإصلاحي من جهة، ويُكرّس التأثير الطبيعي للتعددية من خارج الحكم من جهة أخرى، تثبيتاً لمبدأ أنّ السلطة اختصاص، أمّا الرقابة والمحاسبة فواجبٌ يعكس الانتماء والإحساس بالمسؤولية.

وليس من باب الترف أن تحافظ دُوَلٌ ديمقراطية عريقة، كبريطانيا، على مكانة أحزاب المعارضة، وذلك من خلال أعراف متداولة لا من خلال دستور مكتوب. فالمجتمع البريطاني، بتقاليده الديمقراطية، يُلزم الحكومة الاعتراف بالحزب الخاسر بوصفه “المعارضة الرسمية لصاحبة الجلالة”، ما أمّن لزعيم المعارضة موقعاً سياسياً مؤثّراً، يقوم بمهام “حكومة الظل”، وتُخصّص له الدولة الأموال ويوضع بتصرّفه جهازٌ يساعده في إعداد ملفاته، للرد على رئيس الحكومة وتفنيد سياساته. ووفق هذه المعادلة، تُسهِم السلطة والمعارضة معاً في تحقيق المصلحة العامة.

أمّا الحياة الحزبية في لبنان فلا تُبشّر بالخير. وتوجيه النقد الجذري لها لا يُعدّ خروجاً على الديمقراطية، بل هو المدخل الضروري لتطوير أدائها وترسيخ دورها كقوة ناشطة في المجتمع. فالديمقراطية لا تستقيم مع أحزاب عاجزة عن ممارسة النقد الذاتي، أو تحديث آليات عملها، أو استيعاب متطلبات الحداثة الرقمية. وما لم تقم الدولة اللبنانية بواجبها لجهة وضع التشريعات اللازمة لجمعيات تُنتج أحزاباً عصرية غير مذهبية، تمارس الديمقراطية كسلوك وقناعة، وتؤمن بتداول السلطة، وتساهم في إنتاج الحلول عبر الدستور، سيبقى هذا البلد أسيراً لمنظومة سياسية لا ترى في الدولة سوى مساحة لتقاسم السلطة ومغانمها.

وكلما اختفت الأحزاب الديمقراطية، اختفى معها مفهوم الدولة كحيّزٍ شرعي يجمع المواطنين ويتيح لهم المحاسبة، انطلاقاً من ثقافة سياسية لا تقبل الاختيار إلّا بناءً على برامج انتخابية، وهو سلوك يصبّ في مصلحة منطق المؤسسات. وعلى هذا الأساس، يمكن القول إنّ الأحزاب في لبنان باتت عاجزة عن تطوير الحياة السياسية، والسير باتجاه بناء الدولة السيدة. بل إنّ أحزابنا اللبنانية هي صورة مصغّرة عن الطوائف، والسبب المباشر في تغوّلها على الحياة العامة والخاصة. وبدلاً من أن تكون قوة الأحزاب قوةً للدولة والمجتمع، نجد العكس: حيث المنطق الذي يحكم سلوكها هو تأبيد الامتيازات، وتكريس المزيد من إضعاف الدولة وتجاوزها.

إنّ إقرار قانون جديد للأحزاب لا يُعدّ مجرّد خيار، بل أصبح واجباً وضرورةً استراتيجية في هذا التوقيت بالذات. ومن العبث أن تتجاهل الحكومة هذا المعطى، لأن الامتناع عن معالجته يفقدها القدرة على التأثير السياسي الفعلي.

فالعديد من الأحزاب اللبنانية يتبنّى عقائد تتجاوز ما نصّ عليه الدستور لجهة الحدود الدولية والهوية الوطنية والعربية، وهو أمر لا يمكن لأيّ دولةٍ أن تتعايش معه. فهذه ليست مسألة تدخل ضمن حرية الرأي والمعتقد، بل تمسّ جوهر الدولة وشرعية وجودها بعناصرها التأسيسية. إذ لا يمكن لحزب أن يخدم دولته ومجتمعه إذا لم يؤمن بها إيماناً راسخاً وأبدياً، ولا يدافع عن استقلالها وديمومتها، بل ينظر إليها كمرحلة ظرفية قابلة للتغيير في أي لحظة. فهذه المقاربة تُصيب مفهوم الدولة في الصميم، وتقاعس الحكومة عن التعامل معها يعكس سلوكاً سياسياً قاصراً وغير مسؤول.

وطالما أنّ الرئيس جوزاف عون، ومعه الرئيس نواف سلام، يتمسكان بحلّ مسألة حصرية السلاح وتكريس حقّ الدولة الدستوري في حماية نفسها بقواها الشرعية عبر الحوار والقانون، يبرز السؤال الجوهري: لماذا لم تبادر الحكومة، التي تصف نفسها بالإصلاحية، إلى وضع قانون عصريّ ينظّم الأحزاب على نحو يعزّز انتماءها الوطني… حتى تعرف الدولة مع مَن تتحاور؟

مقالات الكاتب

د. مجيد مطر

باحث وكاتب سياسي. دكتوراه في العلوم السياسية/ لبناني.