ردّاً على عزمي بشارة

يعيش لبنان اليوم واحدة من أخطر مراحله السياسية، إذ يشهد حرباً ضروساً بين إسرائيل و”حزب الله”، ما جعله تحت قصف يومي لا يفرّق بين الحجر والبشر، وسط توغّل إسرائيلي في العمق اللبناني أدى إلى احتلال عشرات القرى. وفي ظل هذا الواقع، دخل الوسطاء على خط الأزمة، وفي مقدّمهم الولايات المتحدة، التي دفعت نحو هدنة مشروطة بمفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل، قد تتوّج بلقاء بين الرئيس اللبناني جوزاف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

وقد فجّر هذا الطرح انقساماً داخلياً بين مؤيد ورافض، في وقت يأتي فيه هذا النقاش وكأننا نعيش في ظروف طبيعية يمكن معها استنساخ مواقف دول أخرى ترفض لقاء نتنياهو. والحال أن لبنان اليوم يواجه تحديات وجودية على مختلف المستويات، ما يجعل المشكلة لا تكمن في المواقف بحد ذاتها، بل في سلخها عن سياقها الفعلي.

وفي هذا السياق، جاء موقف المفكر العربي عزمي بشارة مؤيداً للفريق الرافض للتفاوض المباشر، خصوصاً لفكرة عقد لقاء بين الرئيس اللبناني جوزاف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. ويستند موقفه إلى جملة اعتبارات يرى أصحابها أنها تؤكد عدم جدوى هذا اللقاء، الذي قد يستفيد منه نتنياهو في تجميل صورته سياسياً من دون تقديم أي تنازلات فعلية.

وفي هذا الإطار، قال بشارة في تغريدته: “نتنياهو مجرم حرب مطلوب لمحكمة الجنايات الدولية. يتجنب الاجتماع به قادة أوروبيون وغير أوروبيين ممن تربطهم علاقات صداقة مع إسرائيل. أي اجتماع عربي به هو عبارة عن إعادة تأهيل له في خضم مواصلة جرائمه، وإنه لن يقدم أي تنازلات مقابل هذا اللقاء”.

هذا الطرح، إذا أُخذ كموقف عام ومجرّد، يمكن تفهّم منطلقاته. إلا أنه، في السياق اللبناني الراهن، حيث تدور حرب قاسية وتبرز أزمة ذات أبعاد وجودية، يبدو طرحاً نظرياً. فلبنان، في ظل هذه الظروف، يحتاج إلى وساطة تقودها الولايات المتحدة، التي تبدو وحدها قادرة على الدفع نحو هدنة جدية، ولو كان ذلك مشروطاً بمسار تفاوضي مباشر.

ومن هنا، فإن مثل هذه المواقف، على الرغم من تماسكها النظري، لا تقدّم بالضرورة حلولاً عملية للدولة اللبنانية في لحظة حرجة، بل قد تبدو، في بعض جوانبها، أقرب إلى مقاربة فكرية لا تأخذ بالاعتبار تعقيدات الواقع الذي يعيشه اللبنانيون.

وإذا وضعنا تصريح المفكر عزمي بشارة في سياقه الأخلاقي والقانوني، يمكن اعتباره منسجماً مع المزاج العام الذي يرى في بنيامين نتنياهو مجرم حرب. وعليه، فإن هذا الموقف يستند إلى أسس وشروط تجعله قوياً ومتماسكاً من حيث المبدأ.

إلا أن الانطلاق من هذه الشروط وحدها يؤدي عملياً إلى سحب المبادرة من السلطة اللبنانية، المطالبة بإيجاد حل سريع يوقف حمّام الدم والدمار والتهجير. وهو ما يطرح إشكالية مفادها أن هذه المقاربة، على الرغم من وجاهتها، تفترض وجود هوامش واسعة أمام لبنان تتيح المفاضلة بين بدائل متعددة، في حين أن هذا الهامش يبدو، في الواقع، محدوداً في ظل الظروف الراهنة.

فالمفاوضات لا تُعدّ بالضرورة اعترافاً، فالدول، في خضم سعيها للدفاع عن مصالحها، تفاوض العدو كما تفاوض الصديق، إذ إن الحدث يفرض نفسه ويفرض أدوات التعامل معه. وينطلق ذلك من أولويات واقعية، كتحقيق الأمن، وضمان البقاء، ووقف الحرب، وتقليل الخسائر.

وعليه، فإن من يعيش تحت وطأة المعاناة يفكّر بمنطق واقعي يختلف عن ذاك الذي لا يواجه هذه الظروف، والذي قد يميل إلى تقديم مقاربات لا تنطلق من ضغط الواقع نفسه.

فالمشكلة التي تواجهنا اليوم ليست في تحديد أيّ من الموقفين هو الأصح، بقدر ما تكمن في ضرورة مقاربتهما انطلاقاً من السياق نفسه. فكل موقف قد يبدو أقرب إلى الواقع إذا تم عرضه منفرداً كطرح عام، غير أن الاقتصار على البعد الأخلاقي وحده قد يأتي على حساب الفرصة المتاحة لوقف الحرب وتداعياتها المدمرة.

صحيح أن خيار التفاوض قد ينطوي على كلفة سياسية، إلا أن هذه الكلفة تبقى، في حال قياسها بالنتائج المحتملة، أقل من توسّع الحرب ووصولها إلى مستويات قد تطال البنى التحتية للدولة اللبنانية، خاصة في حال سُحبت الضمانة التي تقدّمها الولايات المتحدة، بوصفها الطرف القادر وحده على ضبط اندفاعة إسرائيل.

فلبنان راهناً لا يعيش وضعاً طبيعياً كما كان عليه قبل الدخول في ما يُعرف بحروب الإسناد، حين كان يملك هامشاً أوسع لرفض الدخول في أي مفاوضات، والتموضع باعتباره آخر دولة عربية قد تلجأ إلى ذلك الخيار. أما اليوم، فالقصف مستمر، وهناك محاولات لربط لبنان بمسارات إقليمية أوسع، سواء في الحرب أو في السياسة.

وفي هذا السياق، يعكس قرار التفاوض تعقيد الوضع القائم، إذ لم يعد خياراً بين بدائل متكافئة، بل تحوّل إلى مسار يُفرض بفعل الظروف. وبذلك، لم يعد التفاوض مجرد خيار سياسي يمكن الاستغناء عنه، بل أداة ضرورية لوقف آلة الموت.

وعليه، يصبح التساؤل مشروعاً لناحية وجود بديل فعلي لوقف الحرب، يمكن على أساسه مطالبة لبنان بعدم اختبار جميع الحلول المتاحة في سبيل الخروج من هذه الأزمة القاتلة. فكل مقترح لا يقدّم بديلاً عملياً لوقف النزيف، ما هو إلا دعوة لتعليق الحل وتجميد الأزمة عند نقطة استمرار الانهيار.

ففي بلد يقبع تحت الحديد والنار، لا يُطلب منه اختبار الخيار الأسلم من الناحية النظرية، بل مساعدته في ترسيخ اختياره للمسار الواقعي القادر على وضع حد لهذه المأساة، أو على الأقل الحد من كلفة الحرب، بعيداً عن المثاليات التي تُطرح من خارج السياق.

مقالات الكاتب

د. مجيد مطر

باحث وكاتب سياسي. دكتوراه في العلوم السياسية/ لبناني.