لقد حظيت مقولة «مافيا ــ ميليشيا» بشعبية واسعة في الأوساط الإعلامية والسياسية، وما تزال مستخدمة حتى اليوم، رغم المتغيرات الكبيرة التي شهدها لبنان والمنطقة بعد حربي غزة ولبنان، وسقوط نظام بشار الأسد.
وقد تحولت هذه المقولة إلى شعار سياسي اكتسب انتشاراً كبيراً، إلا أن التوصيف الذي تحمله ينطوي على قدر كبير من التبسيط، إذ يقدّم الواقع السياسي اللبناني المعقّد في صورة طرفين: فريق يُصنَّف على أنه «مافيا»، وفريق آخر على أنه «ميليشيا».
فالمقصود هنا بالمافيا هو الطبقة السياسية الفاسدة التي حكمت البلاد، بينما اختُصَّ بالمليشيا حزب بعينه، هو «حزب الله». وما بين المافيا والميليشيا بون شاسع. ومن أبرز هذه الفوارق أن الميليشيات يمكن استيعابها ضمن الدولة، بينما مآل المافيات هو السجن والاعتقال، إذ ليس كل ميليشيا فاسدة، في حين أن كل مافيا تقوم على الإجرام والفساد.
ومن أجل تفنيد هذه المقولة، لا بد من تعريف المفهومين علمياً وعملياً.
تعريف المفهومين
بالنسبة إلى المافيا، فقد اتخذ المفهوم، مع مرور الوقت، عدة دلالات ومضامين، إلى أن استقر على تعريف شبه موحّد، وهو أنها جريمة منظّمة تقوم بها شبكات سرية تدير نشاطات غير قانونية، تمتد من تجارة المخدرات وتهريب الأسلحة، إلى غسيل الأموال والتصفيات الجسدية، وغيرها من الجرائم.
أما مفهوم الميليشيا، فهو أكثر تعقيداً من مفهوم المافيا، خصوصاً أن علم الاجتماع السياسي تناوله بشكل موسّع، سواء بالنسبة إلى الميليشيات الحكومية أو غير الحكومية. وقد أصبح لهذا المفهوم في لبنان معنى تحقيري، نتيجة سلوكها السيئ والمتجذّر في ذاكرة اللبنانيين.
كلمة «ميليشيا» (Militia) مشتقة من أصول لاتينية، وتحديداً من كلمة miles (جندي) واللاحقة -itia التي تدل على حالة أو صفة، لتشير في الأصل إلى «خدمة عسكرية» أو «قوة عسكرية من المواطنين» غير النظاميين. وقد تطورت الكلمة لتعبر عن مجموعات مسلحة من المدنيين تُشكَّل في أوقات الحاجة، وتتراوح بين قوات رديفة للجيش النظامي (مثل الحرس الوطني)، أو مجموعات شبه عسكرية مرتبطة بأحزاب سياسية أو أيديولوجيات محددة.
وهناك العديد من نماذج الميليشيات التي أنشأتها الدول؛ فالحرس الوطني الأميركي يُقدّم نموذجاً لميليشيا قانونية منظَّمة، أُدمجت بالكامل في البنية الرسمية للدولة، إذ تتبع هيكلياً لقيادة محلية، وتخضع هرمياً لأوامر رسمية ضمن إطار دستوري وقانوني محدد. وكذلك الحال بالنسبة إلى ميليشيات الصاعقة النازية، التي كانت تشارك في الدفاع عن الدولة والنظام، من دون أن يكون لها بالضرورة شبكة مصالح خاصة.
وبناءً على هذا التعريف، تصبح الميليشيا قوة مسلحة قانونية لكنها غير نظامية، أي تعمل خارج الهياكل النظامية للجيوش، وقد تؤدي أدواراً متعددة ضمن أطر متفاوتة من الرقابة الرسمية. أما الميليشيات غير الحكومية، فقد تتبع لأحزاب أو طوائف أو مجموعات عرقية تقاتل من أجل أهداف سياسية.
في تفكيك المعادلة
بالعودة إلى أصل الموضوع، يمكن القول إن معادلة «مافيا ــ ميليشيا» قد أخلّت بالواقع، لأنها تفصل تعسفياً بين السلاح والفساد وعلاقات السلطة، متجاهلة شبكة المصالح التي لا يمكن أن تنمو من دون تواطؤ جميع الأطراف الفاعلة في البلد. وهو ما يعني أن هذه المقولة تفترض أن المافيا، أي السلطة بمختلف مكوناتها السياسية والحزبية والطائفية، تتحمل وحدها مسؤولية الفساد، فيما تُستثنى الميليشيا، بحكم طبيعتها، من الانخراط في المنظومة الفاسدة. وهذا افتراض يحتاج إلى تدقيق.
فصحيح أن شبكات الفساد تحتاج إلى غطاء سياسي وتسهيل من داخل الإدارة، وغالباً ما تتم بحماية من النافذين، إلا أن ذلك لا يجيز اعتبار المنظومة وحدها الفاعل الوحيد في مسألة الفساد.
إن الإصرار على القول إن دور الحزب يقتصر فقط على حماية المنظومة يمنحه صك براءة ضمنياً من أي مسؤولية اقتصادية أو سياسية، وهو توصيف قاصر عن تحليل المعطيات كما هي. فـ«حزب الله» ميليشيا فاعلة داخل أجهزة الدولة، إذ يملك نواباً ووزراء، وكان يسيطر، بشكل غير مباشر، على مرافئ حدودية، كما أن لديه شبكات مصالح مكشوفة، من مؤسسات مالية كـ«القرض الحسن»، إلى مؤسسات اجتماعية وتربوية وتجارية توفر له موارد مالية. وهذا ما يجعله جزءاً من شبكة مصالح أوسع تشمل الطبقة السياسية التقليدية بكل تلاوينها السياسية والاقتصادية والحزبية والمجتمعية. وبالتالي، فإن حصره في خانة «ميليشيا» منعزلة عن السياق العام، ومحتاجة فقط إلى حماية سلاحها، هو توصيف مبسّط وغير دقيق.
إن تفكيك هذه المعادلة يوفّر فهماً أكثر تحديداً لمعاني الفساد والسياسة والنفوذ الاقتصادي في لبنان، بعيداً عن الشعارات، حتى لا تتحول إلى صكوك براءة ناتجة عن سوء تقدير لما هو قائم فعلاً. فالمطلوب قراءة المشهد السياسي بطريقة أشمل وأعمق.
وقد برّأت معادلة «مافيا ــ ميليشيا» الميليشيا من حيث أرادت اتهامها، من خلال التعريف الذي ذُكر سابقاً، إذ أكدت أن الفساد يقوم به طرف واحد، فيما قُدّم لنا طرف آخر على أنه «حارس» (Bodyguard) مهمته الحماية فقط، من دون أن تكون له مصالح يحميها. وهذا ما يبيّن الطبيعة التبسيطية لهذه المعادلة، التي انتشرت كحقيقة غير قابلة للنقاش في الخطاب السياسي المعارض، من دون أي تفكير نقدي يكشف خللها في توصيف الواقع، ما أكسبها بُعداً تضليلياً غير مقصود في تحميل المسؤوليات، حيث يجب ويَلزم التدقيق.

د. مجيد مطر
باحث وكاتب سياسي. دكتوراه في العلوم السياسية/ لبناني.
