يُعدّ حيّنا الصغير الذي يقع في وسط المدينة شريانًا تجاريًا يجذب إليه المارّة من شتّى مناحي البلدة. فهو نقطة التقاءٍ تضجّ بالحياة، حيث تتقاطع فيها خطوات الباحثين عن سلعة ما مع عابري السبيل الذين استهواهم صخب المكان. وفي زوايا هذا الزحام، تبرز منصاتٌ ترويجية صغيرة تتوهّج بالألوان الفاقعة التي لا تستطيع العين أن تغفلها، وتزدان بيافطات عروض الأسعار كبيرة الحجم التي غالبًا ما تجد عليها أرقامًا تقف على حافّة الأعداد الصحيحة لتُشعرك بالوفرة كـ 99.99.
ويُرابط خلف هذه المنصّات فِتية يحاولون جاهدين استثمار كل ما لديهم من إمكانيات في الحضور وقوّة التأثير لإقناع الغرباء بجدوى سلع لا يملكون منها سوى عناء عرضها، فبينما لا ينالهم من ريع هذا الحماس إلا النزر اليسير، تذهب الثمار يانعة إلى خزائن أصحاب رأس المال.
وعلى مَقربة من ممرّي اليومي وأنا قاصد منزلي، وقع بصري في إحدى المرات على شاب يتعهّد منصةً لشركة مربّى وليدة ويرتدي قميصًا قطنيًا طُبع عليه رمز الشركة. كان الشاب ينضدُ علب المربّى الزجاجيّة الملوّنة بانتظام هندسي هرمي الشكل ذكّرني بلعبة رمي علب الصفيح التي تذخر بها المهرجانات الشعبيّة. ورغم أنّ الغرض من عرضها على هذا النحو هو لفت الانتباه، إلّا أنّها بدت لي وكأنّها تنتظر قدرها بسكون، فما إن تُصاب إحداها حتى تصبح البقية عرضة لسقوط متسلسل يجرّ بعضه بعضًا.
بيد أنّ ما كان أكثر جذبًا لانتباهي ودفعًا لي نحو التأمّل هي تلك اللحظة التي يطلّ فيها مدير تسويق الشركة ببدلته الفاخرة والحديثة الطراز، وإذ بهدوء الشاب يتبدّد ويحلّ محلّه ارتباك شفيف يجعل الهرم كله يهتز تحت وطأة المراقبة، وما هي إلا ثوانٍ حتّى يميل البناء ويتداعى، لتسيل المربّى على الرصيف كألوان هاربة من لوحة فنية أفسدتها رعشةُ يد قلقة. وحينها، ينهال المدير على الفتى بتوبيخ عنيف يمزّق صمت المكان.
وككاتب مسرحيّ يرى في عثرات الواقع بذورًا يحوّلها إلى حياةٍ افتراضيّة على الورق، شعرت أنّ القدر قد ساق هذا المشهد إليّ ليملأ فجوةً في أحد فصول مسرحيّتي القادمة. وفي اليوم التالي، كنت على موعد مع صديقي عمر، وهو كاتب مسرحي أيضًا، غير أنّ أعماله ذات القالب الكوميدي تختلفُ جذريًا عن أعمالي ذات الطابع الميلودرامي. وليس التباين الفني وحده ما يفرّقنا، فنحن ننتمي إلى كواكب فكريّة متناقضة، مفارقة ربّما كانت هي السر وراء حميمية صداقتنا وصمودها لسنوات طويلة، فلطالما أثبتت نقاشاتنا المحتدمة أنّنا، ورغم الانقسام الفكري الحاد، نلتقي عند رغبة صادقة في تحقيق العدالة الاجتماعية، ليظلّ الخلاف بيننا محصوراً في الزاوية التي يطلّ منها كلٌّ منّا على تلك العدالة المنشودة.
حين وصلتُ إلى المقهى، كان عمر جالسًا بانتظاري وابتسامته المعهودة التي لا تخلو من الإيحاء بالتحضير لقول طرفة جديدة حاضرة على وجهه. وبعد تبادلنا التحيّة والاستماع إلى بعض نكات عمر الوفيرة، فتحت قائمة الأسعار الملقاة على الطاولة، وكعادتي عند كلّ قفزة تحدث في أسعار السوق، لم أتمالك أعصابي في التعبير عن استيائي من هذا النمط الذي لا يعرف الشبع، فبرغم الأرباح الوفيرة التي يحقّقها السوق الرأسمالي الحر، تظلّ الأسعار في صعود دائم، بينما تبقى أجور الكادحين تراوح مكانها؛ بدءًا من ذلك الشاب الذي رأيته بالأمس، وصولًا إلى هذا النادل الواقف فوق رأسي الآن، منتظرًا بصبرٍ صامت أن أخبره بما أرغب في تناوله.
«ألا تلاحظ هذا الجشع يا عمر؟ إنّ سعر كوب القهوة هنا يعادل أجر ساعة كاملة من كدح النادل الذي يوشك على تقديمه لنا!» قلت ذلك بمرارة بعد أن دوّن النادل طلباتنا وأصبحنا وحيدين مجدّدًا.
رمقني عمر بنظرة ساخرة اعتدت ان أراها على وجهه كلّما التقطت حدثًا يتمحور حول الصراع الطبقي قائلًا: «أوه… بدأنا ثانية! أنتم الاشتراكيون هكذا، كلُّ تغيّر طفيف في الأسعار تجعلون منه مأساة شكسبيريّة، وكأنّ العالم سينتهي عند عتبة هذا المقهى… تحضّر للاستمتاع بقهوتك ودعنا من البيان الشيوعي الآن».
تجاهلتُ سخريته، و ما إن وضع النادل فنجانًا من القهوة أمام كلٍّ منّا ومضى، حتّى بدأتُ أسرد عليه بحماسٍ ما رأيته في اليوم السابق. وصفتُ له ارتعاشة أنامل الشاب، ووطأة المدير التي أثارت الذعر في قلبه، وكيف تهاوت العلب في انهيار متسلسل. وطوال حديثي، لم ينطق عمر بكلمة واحدة، لكنّني لاحظت وجهه يبدأ بالاحمرار، وفجأة انفجر في نوبة ضحك هيستيرية جعلته يطرق الطاولة بيده.
«طبعًا… لو كان هذا مشهدًا في أحد فصول مسرحيّاتك، لكنتَ وظفتهُ لتتعالى ضحكاتُ الجمهور في كل أرجاء القاعة، أليس كذلك؟» قلت بامتعاض.
«لا شكَّ في أنّني لم أكن لأتردّد في فعل ذلك! فهو مشهد طريفٌ بامتياز، وخطأٌ شائعٌ قد يقعُ فيه أيّ منّا. لماذا افترضتَ أنَّ سلطة المدير -أو الجلاد المتوحش في نظرك- هي السبب؟ ألا يمكن أن يكون الأمر مجردَ ارتباك طبيعي عابر؟» أجابني عمر بتهكّم.
ثمّ استطرد قائلًا: «اسمعني يا صديقي… أنت ترى في الشاب العامل حملًا وديعًا وفي المدير وحشًا كاسرًا. ولكن هل العدالة التي تنشدها ألّا يُحاسب الموظّف على تقصيره؟ المديرُ لم يدفع ثمن تلك البذلة الفاخرة ليتأمّل مواطن الجمال في ألوان المربّى وهي تلطّخ الرصيف، بل دفعها مقابل نظام وانضباط ونتائج. الشاب لم يرتكب «خطيئة طبقية»، بل ارتكب «خطأً مهنيًا». وفي قانون السوق، مَن لا يملك الثبات لا يملكُ الحقّ في إتلاف ممتلكات غيره. أليس من العدل أيضًا أن يحصل صاحب العمل على الكفاءة التي يدفع ثمنها؟ أم تريد أن تتحوّل الأسواق إلى دور رعاية لكل مَن تهتزّ أنامله؟»
«تتحدّث عن الكفاءة والانضباط وكأنّنا في معملٍ للساعاتِ السويسريّة يا عمر، لا في سوقٍ تقتات على عرق المُستنزفين وتعتصر رمقهم الأخير. أيّ عدالة تلك التي تمنح المدير حقّ «التوحّش» لأنّه يرتدي بذلة فاخرة، وتصادرُ من الشاب حقّ «الارتجاف» وهو لا يجني من كلّ هذا الضجيجِ إلا الفتات؟ هذا الشاب لم يهدر ممتلكاتِ غيره عبثًا، بل خارت قواه تحت وطأة خوف لا تدركه أنت وأنت جالسٌ هنا تحتسي قهوتك بكلّ متعة واستجمام»، أجبته في محاولة يائسة كما عهدت مثيلاتها سابقًا لتقريب المسافة الفكريّة بيننا.
ساد صمت قصير، انشغل فيه عمر بإسقاط مكعّب سكّر إضافي في فنجانه، ومراقبته وهو يتلاشى ببرود، ثم قال وهو يرفع ملعقته الصغيرة كأنّه يشير بها إلى حقيقة علميّة: «أتدري ما المفارقة يا صديقي؟ أنّنا نملكُ ترف الجلوس هنا لنُفكّك «هيكليّة السوق»، فقط لأنّ هذا الهرم الطبقي يعمل بدقّة. هناك دائمًا مَن يرتدي البذلةَ ليُراقب، ومَن تهتزُّ أناملُه ليخدم. لو خلت الأسواقُ من هذه التدرجات الصارمة، لما وجدنا مَن يحرصُ على أن تصلَ إلينا القهوةُ ساخنةً وفي وقتِها. كُن ممتنًا لهذا الخللِ الذي تذمُّه؛ فالفوارقُ التي تُسمّيها ظلمًا هي ذاتُها التي تمنحكَ هذه اللحظة السعيدة… اشرب قهوتك، ودع السوق تضبط إيقاعها بقوانينها الصارمة».
وبعدَ أن اضطررت للاستماعِ إلى مجموعة إضافيّة من نكات عمر الساخرة، أومأ للنادل إيماءة خاطفة، حضر بعدها الشاب مسرعًا، وجمع الفناجين الفارغة بحذرِ شديدِ استحالَ ارتباكاً مرسومًا على وجهه، وكأنّه قد استرق السمع إلى حديثي مع عمر، أو كأنّ حديثنا كانَ يصفُ قيوده هو بالذات. كان هذا هو دور عمر في دفع الحساب، وكعادتي لم أنس إضافة البقشيش، ومضينا.
غادرنا المقهى، ونظرت عبر زجاجِه إلى الشارعِ المزدحم متسائلًا: من منّا يملك الحقيقة؟ هل هذا «البناء الهرمي» الشاخص أمامنا هو ضرورة هندسيّة تفرض على القواعد أن تتحمّل الثقل ليظلّ الرأس مرفوعًا كما يراه عمر؟ وهل نختار مواقعنا في هذا الزحام بجهدنا وكفاءتنا، أم أنّ المقاعد كانت قد وُزّعت سلفًا قبل أن يبدأ العرض؟ ثمّ مضينا وكلّ منّا يحمل في ذهنه مشهدًا مسرحيًا مختلفًا لذات اللوحة.

د. هادي عيسى
باحث في جامعة الإمارات العربية المتّحدة
