لقد ظلّ المشهد الإعلامي العربي لردح من الزمن محكومًا بمركزيّة المؤسّسة، تلك المنظومة التي لم تكن مجرد حاضنة مهنيّة، بل كانت بمثابة مرجع رقابي يرسم حدود المسموح وفق موازين دقيقة تفرضها السلطة السياسيّة أو العُرفيّة. وفي هذا المناخ، كانت المادّة الإعلاميّة تخضع لعمليّة غربلة صارمة لا تقف عند حدود العناوين الكبرى فحسب، بل تمتدّ لتشمل كل ما يحقّق الربح السريع ويضمن تدفّق المعلنين.
ووسط هذا الحصار المؤسّساتي، برزت قلّة من التجارب التي خاضت اشتباكًا مهنيًا واعيًا لانتزاع هامش من الحرية. فعلى سبيل المثال، لم يكن انتقال الإعلامي الراحل وائل الإبراشي من عالم الصحافة المكتوبة إلى الإعلام المرئي مجرّد تغيير تقني، بل كان رهانًا على القدرة على تحقيق الجماهيريّة دون التخلّي عن تقديم الطرح النوعي. وكإعلامي ينظر من خلال عدسة صحفيّة تنقل نبض الشارع، قام بتحويل التحقيق الاستقصائي إلى مادة بصريّة تفاعليّة تجعل المشاهد شريكًا في معاينة أزمات الفقر والجهل والصحة والتعليم، والنبش في ظواهر الخرافة والدجل التي نمت كبدائل قسريّة للعلم والتنوير، فكان الأستوديو بمثابة مختبر لتحليل أزمات العقل الجمعي، بعيدًا عن صرامة القوالب التي كانت تفرضها الأجندات الموجّهة والتجاريّة التقليديّة.
وعلى جبهة أخرى، خاض الإعلام المتلفز معركةً لكسر رتابة «الصوت الواحد»؛ فظهرت الحاجة لتقديم وجهات نظر متصادمة تضع الأضداد وجهًا لوجه. وهو ما جسّده برنامج «الاتجاه المعاكس» للإعلامي الرائد فيصل القاسم، الذي أرسى دعائم الحوار الصدامي القادر على خلخلة الثوابت. ورغم ما قد يُؤخذ على هذه التجربة من ذاتيّة أحيانًا، إلا أنّ قيمتها الحقيقية كمنت في فرض عدالة التوزيع بين التيارات المتنافرة، لتتحوّل الشاشة إلى منصّة توثيقيّة عبّرت من خلالها الأطياف الفكرية والسياسية المشرقيّة كافّة، كاسرةً بذلك جدار الإقصاء الممنهج.
ومع تبدّل الموازين التقنيّة، نشهد اليوم دخول إعلام «اليوتيوب» و«البودكاست» إلى المعادلة واكتساحه المشهد بشكل لافت، حيث انتقل ثقل «الهامش» من شاشات القنوات المحكومة بحسابات المعلنين، إلى فضاءات رقميّة رحبة. وهذا التحوّل منح الإعلامي المعاصر حريّة كاملة في إعادة القضايا والموضوعات التي كانت تُصنف سابقاً بأنّها «نخبويّة» أو غير مربحة إلى الواجهة. فنحن نرى اليوم انبعاثًا للمحتوى المتخصص الذي يتسم الذي لم يجد لنفسه مكانًا عبر الإعلام المؤسّساتي، فهناك منصّات تغوص في سوسيولوجيا الحضارات، وأخرى تبحر بين دفوف الكتب، مغيرها تتناول ملفات مجتمعيّة ونهضويّة شائكة كانت ترفضها غرف التحرير التقليديّة لكونها لا تخدم ثقافة «الاستهلاك السريع».
ومع ذلك، فإنّ الحرية غير المحكومة بمعايير وضوابط لا تخلو من منزلقات، فهي كما أتاحت مساحة للارتقاء بالوعي، فتحت أبوابًا أخرى لمحتوى ينحدر بعقل المشاهد ويقتات على الشائعات والفضائح. إنّ الفرق الجوهري اليوم يكمن في «المسؤولية الذاتية»؛ فبينما يذهب البعض بالحريّة نحو الفوضى، يستقبلها آخرون بوعي ناضج ورقابة نابعة من المعيار الذاتي القِيَمي، مقدّمين نموذجًا لإعلام بديل يحترم عقل المتلقّي ويرتقي به في فضاءات الوعي والمعرفة.

د. هادي عيسى
باحث في جامعة الإمارات العربية المتّحدة
