الجانب الثالث و عزف أميركي بارد على أعصاب العالم الملتهب

لن نكرّر حديثنا عن ضربتي حرب إيران، وما تستلزمانه من عمليات مناورة، ونحن نتأمّل حديث الوداد الذي نصّب فيه ترامب الانضمام إلى اتفاقيات أبراهام قدّيساً تُطلب عنده الشفاعة، وتحذير ليندسي غراهام من العواقب الوخيمة لعدم الانضمام، نستذكر إعلاء ترامب لخاطر بعض الدول حين تراجع عن ضربة وشيكة ـ وفقاً لزعمه ـ بطريقة كانت تُعدّ لحبكة ما، تمازجت فيها محاولات إزاحة صفّ خصوم إيران من جانب ترامب إلى «جانب ثالث»، يكفل إبعاد الولايات المتحدة ـ تكتيكياً ـ عن حافة الخصومة المباشرة مع إيران، في الوقت ذاته الذي يدفع فيه أطرافاً أخرى مكانها.

الغريب في هذا المشهد ليس صورته، بل طريقة تركيبه؛ إذ اعتمد شفاعةً من دول استُثنيت منها تركيا ومصر، في تزامنٍ مع تسريبات حول نيّة إنشاء تحالف عربي لمواجهة هجمات فصائل عراقية على دول الجوار، لم تكن من بين مجموعة هذا التحالف مصر وتركيا، التي باتت تشكّل عاملاً مُقلقاً للولايات المتحدة، نتيجة سيرها في ركب تشكيل محاور جديدة لا تعتمد رضا الولايات المتحدة أمراً ذا أهمية كبيرة.

لم يكن إدخال مصر وتركيا في محادثات ترامب الأخيرة مع قادة عدّة دول في المنطقة، بخصوص إبرام اتفاق مع إيران، عفوياً. يجب التذكير بأنّ هذه الدول لم تكن محلّ مشورة لترامب عند توجيهه ضربته إلى إيران، هذا من جهة. ومن جهة ثانية، تكفي دعوته إلى الانضمام إلى اتفاقيات أبراهام، مع نتائج التعامل معها، لإثارة الشقاق بين هذه الدول، سيّما مع قيادة تركيا لمحور لا يحبّذ هكذا اتجاه، على الأقل، هذا إن لم تُفلح عملية استثناء مصر وتركيا من فكرة «الوضع على الرأس والمونة على ترامب».

كي نفهم حقيقة ترتيبات ترامب المتسلّلة والمتسلسلة في آنٍ معاً، علينا معرفة أنّ تدخّل دول المنطقة في حسابات إبرام اتفاق إيراني يعني، بالضرورة، ارتباطها بتواصلٍ ما مع خصمها الإيراني. لن يسير هذا التواصل ـ حتماً ـ بلا طريق تحفّه التفاهمات ومعها التنازلات، التي تُبقي الولايات المتحدة خارجها، وتُدخل «عنوةً» هذه الدول في صميمها، ما يعني تحوّلها، بعد الانقلاب على توافقاتها ـ بفعل طبيعة سير الأمور ـ إلى خصوم مباشرين رئيسيين، بدلاً من كونهم محايدين تمّ الاعتداء عليهم. بالطبع، سيأتي حينها دور «قدّيس السلام» ترامب ليفضّ الخلافات، في مقابل حصوله على تنازلات من كل الأطراف، وعلى رأسها إيران.

حتى تتمّ الأوزان الكافية «لكبس» هذه الكتلة الصلبة، كان لا بدّ من إشراك مصر وتركيا بدور يضمن تحوّلهما من قوى وسيطة إلى خصوم تعوزها الوساطة. علينا أن نذكّر هنا بما أوضحناه سابقاً حول تخفيف وزن باكستان كوسيط، ضمن سياسة تخفيف الأوزان التي ينتهجها ترامب.

تنبغي الإشارة إلى صورة ارتباك المشهد العراقي، الذي تنازع تأييد فكرة ضرب الفصائل العراقية بين موالٍ لإيران يهدّد باستهداف كل من يمسّ بها، في مقابل من يؤيد سحب سلاح هذه الفصائل. لكنّ زيارةً كزيارة الحلبوسي، رئيس حزب تقدّم، إلى تركيا، تخلط فكرة نزع السلاح بين محور الولايات المتحدة ومحور تركيا الذي أشرنا إليه، في السياق ذاته الذي يجب معه الانتباه إلى محاولة فصل العراق سياسياً إلى قطبين: «سنّي ـ شيعي»، عند طرح مسألة السلاح. لكنّ طريقة إدخال إيران في رحلة الاتفاقيات الإبراهيمية «الروحية» التي يقودها القدّيس ترامب، تجعل من كل الأطراف ـ ما عدا ترامب ومن معه ـ أصحاب مصالح في الاتفاق لا في الاختلاف، كي تتجاوز حيلة ضرب الخارج عن طريق الداخل، وضرب الداخل عن طريق الخارج.

لن نغيّر عقيدتنا حول قيادة ترامب معركته مع إيران. سيبقى يفعل ويحاول ما بوسعه، بغية المماطلة حتى التمكّن من استحكام لحظة ما، بعد أن أمسكت إيران بسلاح المضيق، الذي تضخّم في يدها حتى بات عبئاً كبيراً عليها، يقدّم من المتاعب بقدر ما يقدّم من المزايا. على رأس هذه المتاعب: صعوبة خياراتها تجاه إبرام أي اتفاق ينتهي بفتح المضيق؛ لأنها ستكون قد قدّمت من التنازلات أكثر من اللازم، بحيث يحصل الخصم على أكثر ممّا يعطي. لقد حدث هذا صدفة، سيّما مع تأكيدنا أنّ ترامب غير جادّ في «عدم اكتراثه» بموضوع فتح المضيق، بل يتلاعب بفكرة «عدم استعجاله» في إبرام اتفاق، حين طلب من فريقه التريّث. لم يكن ذلك سوى من أجل التظاهر بعكس الرغبة، وإشاعة النشر فقط، علّ إيران تصدّق ذلك.

مقالات الكاتب

د. راشد الشاشاني

أستاذ جامعي ومحامٍ وكاتب سياسي.