فرومان محاورًا غورغييفا: صندوق النقد الدولي ومهمة «امتصاص صدمة حرب الشرق الأوسط»

عن الصحافة الغربية

في كل ربيع، يجتمع محافظو البنوك المركزية ووزراء المالية من مختلف أنحاء العالم في واشنطن لحضور الاجتماعات الربيعية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، بهدف مناقشة أوضاع الاقتصاد العالمي، والتنسيق في السياسات الاقتصادية الكلية، وإدارة القطاع المالي. غير أنّ الموضوع الذي هيمن على نقاشات هذا العام كان الحرب في إيران، وما خلّفته من تداعيات اقتصادية واسعة.

جلستُ الأسبوع الماضي مع المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، في جلسة تمهيدية قبيل انعقاد هذه الاجتماعات. تناولنا خلالها التوقعات الاقتصادية الكلية للصندوق، بما في ذلك أحدث تحليلاته حول تأثير الحرب على النمو العالمي والتضخم والاستقرار الاقتصادي. وقد خرجتُ من هذا اللقاء بعدد من الخلاصات الأساسية.

أول هذه الخلاصات أن العمليات القتالية، رغم تراجعها إلى حدّ كبير، لم تُنهِ حالة عدم اليقين التي لا تزال تهيمن على المشهد. فالتأثير الاقتصادي الحقيقي لهذه الحرب لن يتحدد بما أحدثته من أضرار حتى الآن، بل بمدى استمرار وقف إطلاق النار، وبالسرعة التي تعود بها حركة الملاحة في مضيق هرمز إلى مستوياتها السابقة، وكذلك بآفاق تحقيق سلام دائم في المنطقة.

وسواء انتهت الحرب بتسوية تفاوضية أو بتحوّلها إلى حالة جمود طويل الأمد، فمن المرجّح ألا تعود حركة العبور في مضيق هرمز إلى مستوياتها السابقة. وكما أوضحت غورغييفا بجلاء الأسبوع الماضي: «حتى في أفضل السيناريوهات، لن تكون هناك عودة سلسة ونظيفة إلى ما كان عليه الوضع سابقًا». فشركات الشحن العالمية والبحارة يمتلكون ذاكرة طويلة، والدليل أن حجم الملاحة في مضيق باب المندب لا يزال حتى اليوم عند نصف مستواه السابق، منذ الهجمات التي شنّها الحوثيون على السفن التجارية عقب أحداث السابع من تشرين الأول 2023.

ويعرض تقرير آفاق الاقتصاد العالمي الأخير الصادر عن صندوق النقد الدولي مجموعة من السيناريوهات المحتملة لتأثيرات هذه الحرب على الاقتصاد العالمي. ويحدّد التقرير ثلاثة سيناريوهات: السيناريو المرجعي- والسيناريو السلبي؛ والسيناريو الحاد. ففي السيناريو المرجعي، الذي يُعد الأكثر احتمالًا، يُتوقّع أن يتراجع النمو العالمي إلى 3.1% هذا العام، انخفاضًا من 3.3% في كانون الثاني، فيما يرتفع معدل التضخم إلى 4.4%. أما السيناريو السلبي، الذي يفترض استمرار اضطرابات سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار الطاقة، فيتوقّع أن ينخفض النمو إلى 2.5% وأن يرتفع التضخم إلى 5.4%. في حين يشير السيناريو الأكثر حدة—وهو الأقل احتمالًا—إلى احتمال استمرار هذه الاضطرابات حتى العام المقبل، ما يؤدي إلى تراجع النمو العالمي إلى 2% وارتفاع التضخم إلى أكثر من 6%.

سبق أن كتبتُ عن الطبيعة غير المتكافئة لهذه الحرب على الصعيد العسكري، ولا سيما قدرة إيران على إحداث اضطرابات كبيرة في الاقتصاد العالمي باستخدام عدد محدود من الصواريخ والطائرات المسيّرة. وينطبق هذا الطابع غير المتكافئ أيضًا على التداعيات الاقتصادية للحرب، حيث تتحمّل دول الخليج، والدول منخفضة الدخل المستوردة للطاقة—حتى تلك البعيدة مثل دول جنوب المحيط الهادئ—النصيب الأكبر من الأضرار. ومن المرجّح أن تكون التأثيرات على هذه الدول الهشّة أشدّ من المتوسطات العالمية التي يعرضها صندوق النقد. وبعبارة أخرى، فإنّ أكثر الدول تضررًا هي تلك الأقل قدرة على تحمّل الصدمات. وتشكل دول أفريقيا جنوب الصحراء والدول الجزرية الصغيرة غالبية الدول المصنفة دون الدرجة الاستثمارية والتي تعتمد على استيراد الطاقة من المنطقة.

ومع ذلك، فإن الدول المتقدمة ليست بمنأى عن هذه التداعيات. فمنذ اندلاع الحرب، شهدت توقعات أسعار الفائدة ارتفاعًا في كل من الاتحاد الأوروبي واليابان والولايات المتحدة والمملكة المتحدة. وتتوقع الأسواق اليوم أن تبقي البنوك المركزية أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول مما كان متوقعًا سابقًا. وتعكس منحنيات العائد هذا الاتجاه ذاته، إذ ارتفعت العوائد طويلة الأجل بشكل ملحوظ منذ 28 شباط، في ظل مخاوف التضخم وارتفاع علاوات المخاطر. ويأتي ذلك في سياق مالي مقلق، حيث ارتفعت مستويات الدين العام كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي خلال العقدين الماضيين في معظم اقتصادات مجموعة العشرين، مع تجاوز أو اقتراب دول مثل كندا وفرنسا وإيطاليا والولايات المتحدة من عتبة 100%، ما يحدّ من قدرة صانعي السياسات على مواجهة الصدمات المستقبلية مقارنة بما كان عليه الوضع في أزمات سابقة. وكما أشارت غورغييفا، لا بديل عن السياسات السليمة، غير أن العديد من الدول أضاعت فرصة إصلاح أوضاعها المالية خلال فترات الاستقرار النسبي.

ورغم ذلك، لا تزال هناك بعض المؤشرات الإيجابية. فقبل عام، لم يكن معظم الاقتصاديين أو صانعي السياسات أو المستثمرين يتوقعون السيناريو الحالي. إذ، من جهة، شهدنا ارتفاعًا كبيرًا في الرسوم الجمركية الأميركية، وتراجعًا حادًا في التجارة بين الولايات المتحدة والصين، وحربًا إقليمية مع إيران أدت إلى إغلاق مضيق هرمز لأكثر من شهر. ومن جهة أخرى، حافظ الاقتصاد العالمي على قدر معقول من النمو، وسجّلت أسواق الأسهم مستويات قياسية جديدة. غير أن التاريخ يبيّن أن الأسواق كثيرًا ما تبالغ في الاستجابة للأخبار الإيجابية وتقلّل من تقدير المخاطر—حتى لحظة الانعطاف.

وفي ظل هذا التراكم في الأزمات الجيوسياسية، لا يبدو صندوق النقد الدولي في حالة هلع، بل يركّز على ما يمكن وصفه بـ«امتصاص صدمة حرب الشرق الأوسط». ويُعزى جزء من هذا الاستقرار إلى عامل غير متوقع: الطفرة الاستثمارية في الذكاء الاصطناعي، التي ساهمت بما يصل إلى 40% من نمو الناتج المحلي الإجمالي في الولايات المتحدة خلال العام الماضي. إلا أن هذا العامل لم يكن متوازن التأثير عالميًا، إذ إن الدول التي تتحمّل كلفة الصدمات الحالية ليست نفسها التي تجني فوائد هذه الطفرة، كما لا يوجد ما يضمن استمرارها.

لقد واجه الاقتصاد العالمي مرحلة مليئة بالتحديات منذ ما يُعرف بـ«يوم التحرير»، ومع ذلك أظهر قدرًا ملحوظًا من الصمود. غير أن تعدد بؤر التوتر ومصادر الاضطراب الاقتصادي يجعل من غير الحكمة الركون إلى الاطمئنان. فهذه المرحلة تتطلب حذرًا استثنائيًا، لا تهاونًا.

 

ترجمة بتصرف
بقلم / مايكل فرومان – رئيس مجلس العلاقات الخارجية

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.