بتهمٍ تتعلق بتعطيل معاملات تراخيص المطاعم وتقاضي رشاوى، أكّد محافظ بيروت القاضي مروان عبود لموقع “بيروت 2030” إحالة موظفٍ في الإدارة العامة (بلدية بيروت) إلى القضاء، في خطوةٍ تعيد تسليط الضوء على منظومة الفساد الهيكلي داخل الإدارات البلدية، وعلى هشاشة الرقابة في ملفاتٍ ذات حساسية اقتصادية واجتماعية عالية.
فساد إداري متجذّر
تشير مصادر بلدية إلى أنّ عدد معاملات تراخيص المطاعم العالقة منذ مطلع العام الحالي تجاوز 120 ملفاً، بعضها مضى عليه أكثر من ثمانية أشهر من دون إنجاز. وفي المقابل، يُسجَّل تسريعٌ استثنائي لبعض الملفات “المختارة”، ما يثير شبهات حول الاستنسابية في المعالجة.
وتؤكد المعطيات أنّ عدد المطاعم والمقاهي العاملة في نطاق بلدية بيروت يتجاوز 1800 مؤسسة، في حين لا يحمل أكثر من 60% منها تراخيص نظامية كاملة، ما يعكس فجوة رقابية خطيرة فتحت الباب أمام الابتزاز الإداري والمالي.
القضية الراهنة ليست الأولى من نوعها. ففي عام 2022، أُوقف موظفان في دائرة الأشغال العامة بالبلدية بتهمٍ مشابهة تتعلق بـ”تسهيل مخالفات مقابل مبالغ مالية”، إلا أنّ الإجراءات التأديبية توقفت عند حدود التحقيق الأولي، ما أعطى مؤشراً سلبياً على ضعف المحاسبة الداخلية. كما سبق أن كُشف في عام 2019 عن تجاوزات في تراخيص المقاهي في الجميزة والحمرا، من دون أن تصل الملفات إلى خواتيم قضائية واضحة.
المحافظ عبود يؤكد التوقيف ويدافع عن سياسة “عدم التسامح“
أكد محافظ بيروت صحّة الأنباء حول توقيف الموظف، مشدداً على أن الملف “مُحال أمام القضاء، والقضاء يأخذ مجراه”، مضيفاً: “نحن لا نسكت على أي شيء، ولن نسكت على محاولات تمرير المواضيع بسرعة.”
ورغم تأكيده الواقعة، رفض عبود الكشف عن هوية الموظف أو تفاصيل عمله، مكتفياً بالإشارة إلى أنّ الإعفاء من المهام تمّ قبل نحو ثلاثة أشهر من تحرّك القضاء، من دون توضيح سبب التأخير. وهو ما يطرح تساؤلات حول آليات الرقابة الداخلية ومدى فاعلية جهاز التفتيش الإداري داخل البلدية.
“ثورة المطاعم” بين التسهيل والانفلات
يدافع المحافظ عبود عن الإجراءات المتبعة لتسهيل الأعمال في العاصمة، مؤكداً أنّ أبوابه مفتوحة أمام كل مواطن لديه معاملة “معلّقة”، ومشيراً إلى أنّ ما سُمّيت بـ”ثورة المطاعم” هي نتيجة مباشرة لتسريع العمل داخل البلدية. “بلدية بيروت هي الجهة الوحيدة في لبنان التي تُعطي إذن عمل مؤقتاً قبل صدور الترخيص النهائي، لتسهيل عمل المستثمرين وتشجيع النهوض بالقطاع.”
إلّا أنّ مصادر في نقابة أصحاب المطاعم ترى أنّ التساهل غير المنظّم في منح التراخيص فتح الباب أمام تجاوزات ومنافسة غير عادلة، معتبرةً أن غياب وزارة السياحة عن المشهد “يجعل من البلدية سلطة شبه مطلقة في القطاع، بلا رقابة فعلية ولا مساءلة”.
القانون واضح: التأخير المقصود شكل من أشكال الرشوة
في موازاة ذلك، أوضح المحامي إبراهيم عواد لـ”بيروت 2030″ الأبعاد القانونية للجريمة، مبيناً أنّ الرشوة تقوم على أساس “منفعة مادية أو معنوية مقابل قيام الموظف بواجباته أو الإخلال بها”.
وأضاف: “تأخير التراخيص بشكل متعمّد قد يشكّل دليلاً قوياً على وجود رشوة، لأنّ الموظف قد يمرّر معاملات أخرى مقابل منفعة مالية أو شخصية.”
وبيّن عواد أنّ إثبات الجريمة يستوجب توافر ثلاثة أركان أساسية: صفة الموظف العام، تقاضي المنفعة، والعمل المقابل لهذه المنفعة.
العقوبات تصل إلى الأشغال الشاقة وغرامة ثلاثية
وبحسب عواد، فإنّ العقوبات الجزائية في حال ثبوت الإدانة تشمل: الأشغال الشاقة المؤقتة لمدة قد تصل إلى ثلاث سنوات، وغرامة مالية تعادل ثلاثة أضعاف المبلغ الذي حصل عليه الموظف كرشوة.
وأشار إلى أنّ الجهة الإدارية قد تتحمّل بدورها مسؤولية وظيفية في حال ثبوت الإهمال أو التستر، موضحاً أن القرارات الإدارية كصرف الموظف من الخدمة لا تُتخذ عادةً إلا بعد صدور الحكم الجزائي النهائي.
بين القضاء والسياسة: صمتٌ رسمي وأسئلة معلّقة
رغم تأكيد المحافظ على تشديد الرقابة، سُجّل غياب كامل لردود الأفعال من وزارة السياحة ونقابة أصحاب المطاعم، الجهتين اللتين يُفترض أن تكونا المدافعتين عن مصالح القطاعين العام والخاص على حدّ سواء. وقد حاول موقع “بيروت 2030” التواصل مع كلٍّ من الوزارة والنقابة، إلا أنّ الجهتين اعتبرتا أن لا علاقة لهما بالموضوع.
هذا الصمت الرسمي، مقابل الحسم القضائي، يعكس تردّداً مؤسساتياً في مواجهة ملفات الفساد، ويطرح تساؤلات حول مدى قبول الأطراف المعنية بمسار المحاسبة داخل الإدارات العامة.
أزمة الثقة المستمرة
تأتي هذه القضية في وقتٍ يحاول فيه قطاع الضيافة في بيروت النهوض من انهيار اقتصادي كبّده خسائر تفوق 70% منذ عام 2019. ويُجمع خبراء الاقتصاد المحليون على أنّ أي تعطيل إداري أو ابتزاز مالي يشكّل تهديداً مباشراً لبقاء المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي تؤمّن آلاف فرص العمل.
ويبقى السؤال: هل سيشكّل تحرّك القضاء هذه المرة خطوة فعلية نحو كسر حلقة الفساد في بلدية بيروت، أم أنّ المشهد سيتكرّر كما في السابق، حيث يُستبدل الفاسد بآخر، وتبقى الملفات عالقة في أدراج المحسوبيات؟

يحيى شمص
صحافي وكاتب، يعمل في مجال الإعلام الإلكتروني وتدقيق الأخبار، يحب الآراء الموضوعية وتحليل الأحداث السياسية.
