«النافعة» في قبضة السماسرة: «منصة إمباكت» ورشاوى الـ100 دولار

من يقف وراء الجيش الإلكتروني لبيع المواعيد؟

 

يجد المواطن اللبناني نفسه ضحية شبكة من الإشكاليات القانونية والمالية والإدارية ضمن مصلحة تسجيل السيارات (النافعة) حيث، وفي ظلّ الأزمات المتلاحقة، تحوّلت «منصة» حجز المواعيد الإلكترونية من أداة تنظيمية إلى وسيلة لعرقلة المعاملات وشرعنة لسوق سوداء، إذ تصل كلفة حجز الموعد فيها إلى ما يقارب 100 دولار أميركي. فماذا يحصل؟

في خضمّ هذه الفوضى، تُواجَه شركة «إنكربت» باتهامات بـ «القرصنة على القطاع» والتحكّم بالبيانات الحساسة بمعزل عن الرقابة الحكومية. في المقابل، تُثار تساؤلات جوهرية حول دور منصة «إمباكت» المسؤولة عن الحجز الإلكتروني، ودور السماسرة في تعطيل الخدمة، وطرق الحجز المتّبعة، والآليات الرقابية المفقودة.

هذا التحقيق، الذي أجراه موقع «بيروت 2030»، يسعى للكشف عن بعض خفايا هذه الأزمة عبر آراء ثلاثة أطراف رئيسية: معقّب معاملات سابق، وشركة «إنكربت»، ومصدر مطّلع من هيئة إدارة السير.

المنصّة الإلكترونيّة… عقبة إداريّة تشرّع السوق السوداء!

يكشف شاكر طالب، وهو معقّب معاملات سابق في «النافعة»، عن تفاصيل تقنية وإدارية عمّقت الأزمة وحوّلت «المنصّة» من وسيلة لتسهيل الخدمات إلى أداة لعرقلة المواطنين واستغلالهم. يوضح شاكر أن المنصّة ليست قانوناً ملزماً، بل مجرّد تدبير إداري يمكن التلاعب به بسهولة، إذ تُلغى المواعيد أو تُفعّل بحسب الظروف والمزاج الإداري. ومع مرور الوقت، تحوّلت هذه المنصّة إلى «العقبة الأكبر» أمام إنجاز المعاملات الرسمية، بدل أن تكون وسيلة لتنظيمها.

ويضيف أن الشروط المجحفة المفروضة على الحجز عبر المنصّة فتحت الباب واسعاً أمام نشوء السوق السوداء، إذ يُلزم المواطن باستخدام رقم هاتف واحد لمرة واحدة فقط للحجز، ولا يُسمح له بإعادة استخدامه قبل مرور ستة أشهر، الأمر الذي يدفعه لشراء أرقام جديدة في كل مرة. هذا التعقيد الإجرائي رفع تكلفة الحجز إلى ما بين 50 و100 دولار أميركي، خصوصاً في ظل الأعطال المتكررة التي تصيب النظام وتضطر المواطنين إلى استكمال معاملاتهم لاحقاً عبر الإنترنت، في رحلة من المعاناة لا تنتهي.

أما الأخطر، بحسب شاكر، فهو أن المنصّة كرّست دور «الوكيل» أو ما يُعرف بالسمسار، بشكل غير مباشر، عبر تقسيم نظام الحجز إلى خيارين: واحد لصاحب العلاقة وآخر للوكيل. هذا التنظيم الجديد شرعن عملياً عمل السماسرة وأتاح لهم العودة إلى ممارسة مهنتهم دون أي ضوابط أو رقابة قانونية، على الرغم من أن القضاء كان قد ألغى سابقاً مهنة تعقيب المعاملات. وهكذا، تحوّلت المنصّة التي وُلدت تحت شعار الإصلاح والرقمنة إلى قناة رسمية موازية تُشرعن السوق السوداء وتُعمّق أزمة الثقة بين المواطن والإدارة.

شركة «إنكربت»: دورنا يقتصر على المكننة

تؤكد شركة «إنكربت»، في ردّها على موقع «بيروت 2030»، أن دورها محصور بالتزامات محددة وفق الصلاحيات المناطة بها، موضحة أنها تتولى تنفيذ عقد مشروع النظام المتكامل، الذي يشمل توريد رخص السوق، ورخص سير المركبات، واللوحات الآمنة، واللاصقات الإلكترونية، إضافةً إلى تطوير برامج ومكننة مصلحة تسجيل السيارات. وتشدد الشركة على نفي مسؤوليتها عن الرسوم والطوابع والخدمات الإضافية، مؤكدة أن كل ما يتعلق بالإجراءات الإدارية والبدلات يقع ضمن صلاحيات هيئة إدارة السير والآليات والمركبات دون غيرها. كما تنفي الشركة أي علاقة لها بمنصة حجز المواعيد، مشيرة إلى أن الهيئة عهدت بهذه المهمة إلى شركة أخرى هي «إمباكت».

مصدر مطّلع في هيئة إدارة السير: هؤلاء من يتحكمون بالحصص!

يكشف مصدر مطّلع على عمل هيئة إدارة السير لموقع «بيروت 2030» أن جوهر الأزمة يتركّز في مركز النافعة – الدكوانة، بينما تبدو الأمور في المراكز الأخرى أكثر يُسراً نسبياً في ما يتعلق بالحجوزات الإلكترونية. ويوضح أن شركة «إمباكت» هي الجهة الوحيدة المسؤولة عن منصة الحجوزات، في حين يقتصر دور شركة «إنكربت» على المكننة التقنية المتعلقة بالفحص وإصدار الرخص والنُمر. ويضيف أن مشكلات الحجز تتفاقم خصوصاً في جونيه والدكوانة، باعتبارهما مركزي الازدحام الأكبر، بينما يُعتبر مركز الأوزاعي مشمولاً جزئياً بهذه الإشكالات.

ويشير المصدر إلى أن السماسرة والرشاوى يشكلون محور المشكلة الفعلية، إذ إن الغالبية العظمى من المعاملات تُمرّر عبر «السمسار»، بطلب من صاحب العلاقة الذي نادراً ما يتوجه شخصياً إلى النافعة. وبهذا، يتحول السمسار إلى حلقة الوصل الرئيسية، فيدفع الرشاوى لتسهيل تمرير المعاملة عبر الموظفين، ليصبح بعض المسؤولين في دوائر النافعة هم من يسيطرون فعلياً على آلية الحجوزات داخل المنصة مقابل المال.

ويضيف المصدر أن عملية التحكم بالحصص اليومية (الكوتة) تجري بشكل منظّم، إذ يتم تحديد عدد معين من المعاملات يومياً – مثل مئة معاملة – لتُتاح أمام مئة وكيل أو سمسار يتحكمون وحدهم بتمرير هذه الحصة، مانعين بذلك أي حجز جديد من قبل أصحاب العلاقة الحقيقيين.

أما عن أسباب عدم توفر المواعيد، فيطرح المصدر ثلاثة احتمالات رئيسية تُفسّر هذه الظاهرة في ظل غياب الشفافية والرقابة. الاحتمال الأول، وهو الأرجح، يتمثل في «الجيش الإلكتروني للسماسرة»، حيث يعتمد هؤلاء على تجنيد عشرات الأشخاص يستخدمون أرقام هواتف مختلفة للدخول في اللحظة المحددة للحجز (عادةً عند الساعة الثانية عشرة ظهراً)، بهدف حجز المواعيد بأسرع ما يمكن قبل أن تُقفل المنصة، خصوصاً أن كل رقم هاتف يُستخدم لموعد واحد فقط. الاحتمال الثاني هو الاختراق التقني (الهاكرز)، عبر مختصين يتمكنون من حجز عدد من المواعيد وبيعها لاحقاً مقابل المال. أما الاحتمال الثالث فيتعلق بالتنسيق الداخلي بين بعض موظفي النافعة والسماسرة، إذ تُفتح المنصة في أوقات محددة باتفاق مسبق بينهم، بما يسمح لهؤلاء بالحصول على المواعيد بشكل حصري ومنظّم.

ويطرح المصدر تساؤلات جدّية حول غياب الرقابة المدنية، متسائلاً عن مدى أمان المنصة ووسائل الحماية التي تعتمدها شركة «إمباكت» ضد الاختراقات. كما ينتقد واقع هيئة إدارة السير التي يُفترض أن تكون إدارة مدنية، لكنها باتت تُدار من قبل ضباط قوى الأمن الداخلي، فيما تحوّل الموظفون المدنيون إلى مجرد منفذين لا يملكون أي صلاحيات حقيقية.

وفي ظل تبادل المسؤوليات، تُؤكد شركة «إنكربت» عدم علاقتها بالمنصة، بينما تُحمَّل «إمباكت» المسؤولية التقنية عن الحجز، وتبقى هيئة إدارة السير في دائرة الاتهام الإداري والمؤسساتي. في المقابل، تكشف آليات السوق السوداء حجم تحكم السماسرة بالحصص اليومية واستغلالهم للشروط المجحفة المفروضة على المواطنين. وهنا يبرز السؤال الجوهري: أين تقع المسؤولية الفعلية عن هذه العرقلة الممنهجة؟ هل هي مسؤولية تقنية تتحملها «إمباكت» لعجزها عن حماية المنصة من «الهاكرز» و«الجيوش الإلكترونية» للسماسرة؟ أم مسؤولية إدارية تتحملها الهيئة التي تغلب فيها الإدارة الأمنية على المدنية وتتفشى فيها الرشوة والمحسوبية؟

في المحصلة، يبقى السؤال الأكبر مفتوحاً: كيف يمكن للمواطن أن يستعيد حقه في خدمة عامة شفافة وعادلة، في ظل منظومة رقمية تحوّلت إلى متاهة بيروقراطية جديدة؟

 

مقالات الكاتب

يحيى شمص

صحافي وكاتب، يعمل في مجال الإعلام الإلكتروني وتدقيق الأخبار، يحب الآراء الموضوعية وتحليل الأحداث السياسية.