الدولار… «كبسة زر» تحكم العالم

في واحدة من أكثر التصريحات دلالة على طبيعة النظام النقدي العالمي، يقرّ جيروم باول، رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، بأن الولايات المتحدة «تغرق الأسواق بالدولار»، موضحًا أن هذا الضخ لا يتم بالضرورة عبر طباعة العملة الورقية، بل في غالبيته الساحقة بشكل إلكتروني. فوفق المعطيات المتداولة، نحو 92% من الدولار الموجود في العالم هو أموال رقمية داخل المصارف، فيما لا تتجاوز نسبة الدولار الورقي 8% فقط.

الدولار، ببساطة، «يولد» اليوم بكبسة زر على شاشة كمبيوتر.

هذا الواقع يطرح سؤالًا جوهريًا حول طبيعة القيمة التي يستند إليها الدولار. فالعملة الأميركية لم تعد، منذ عقود، مرتبطة بالذهب أو بأي غطاء مادي تقليدي، بل تقوم على قيمة وهمية تُستمد من عناصر القوة الأميركية: احتكار منظومة الطاقة العالمية، وفي مقدمتها النفط، إضافة إلى الهيمنة العسكرية والانتشار الجيوسياسي للجيش الأميركي.

في هذا السياق، يُجبر العالم—ومن ضمنه قوى اقتصادية كبرى مثل الصين—على التصنيع والتصدير والعمل والتجارة، ليس للحصول على سلعة استراتيجية نادرة، بل للحصول على دولار تخلقه الولايات المتحدة ذاتها بكبسة زر. هذا الخلل البنيوي في النظام النقدي العالمي هو ما وصفه فاليري جيسكار ديستان، وزير المالية الفرنسي في عهد شارل ديغول، بمصطلحه الشهير Exorbitant Privilege، أي «الامتياز الباهظ» أو «الامتياز العظيم».

هذا الامتياز يعني عمليًا أن العالم كله يعمل ويشقى—بما في ذلك الشعب الأميركي نفسه—للحصول على عملة تستطيع الولايات المتحدة إنتاجها بلا كلفة حقيقية. إنه نظام يراكم الثروة والقدرة في مركز واحد، ويصدّر الأعباء والاختلالات إلى بقية الكوكب.

غير أن هذا الامتياز لم يعد اليوم بمنأى عن التهديد. فصعود قوى دولية مثل الصين وروسيا وإيران، ومحاولاتها المتزايدة للفكاك من هيمنة الدولار، سواء عبر التبادل بالعملات الوطنية أو بناء أنظمة مالية بديلة، يضع الولايات المتحدة أمام تحدٍّ وجودي يتعلق بمستقبل عملتها ودورها العالمي.

في مواجهة هذا الخطر، تبدو الولايات المتحدة—وفق هذا المنطق—مستعدة للذهاب إلى أقصى الحدود. لا قانون دوليًا، ولا أممًا متحدة، ولا تحالفات، ولا حتى حياة البشر تُعدّ ذات أولوية إذا ما وُضع الدولار في كفة، وبقية القيم في كفة أخرى. فالدولار ليس مجرد عملة، بل ركيزة الهيمنة الأميركية.

من هنا، لا يمكن قراءة ما يقوم به دونالد ترامب—أو ما نُسب إلى سياساته وتصعيداته—بوصفه مجرد «جنون شخصي» أو نزق سياسي. بل قد يكون، في جوهره، تعبيرًا عن استراتيجية أميركية أعمق، تهدف إلى إنقاذ الدولار عبر استعادة أدوات الإمبريالية القديمة: منطق القوة العارية، والضغط، والهيمنة المباشرة.

إنها عودة رمزية إلى القرن الثامن عشر، إلى عالم ما قبل القواعد والمؤسسات الدولية، حيث تُفرض القيمة بالقوة لا بالتوافق. بل إن المنطق نفسه يوحي بأن الولايات المتحدة قد تكون مستعدة—نظريًا—للعودة إلى أبشع أشكال الاستغلال في التاريخ، من العبودية إلى تجارة البشر، إذا ما اعتُبر أن الدولار مهدَّد فعليًا في مكانته ودوره.

في المحصلة، لا يدور الصراع اليوم حول عملة فحسب، بل حول نظام عالمي كامل، يقوم على امتياز أميركي بات مكلفًا، ومرفوضًا، ومهددًا أكثر من أي وقت مضى.

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.