أميركا والانفكاك الكنسي الكبير

 

تشهد الولايات المتحدة أسرع تحوّل ديني في تاريخها الحديث، يتمثل في الارتفاع المتسارع في أعداد غير المنتمين دينياً، إلى جانب إقفال أعداد كبيرة من الكنائس في مختلف أنحاء البلاد.

ما المهم في الأمر؟

يأتي هذا «الانفكاك الكنسي الكبير» في وقت باتت فيه الهوية الفردية وصورة الواقع تتشكلان بشكل متزايد خارج الأطر الدينية والمؤسسات التقليدية، عبر مصادر روحية غير مؤسسية مثل صوفيّي «يوتيوب»، وقرّاء «التاروت» على منصة «تيك توك»، والمتشكّكين الرقميين، والقدّيسين الشعبيين، وحتى روبوتات الدعاء التي يُنتجها الذكاء الاصطناعي.

إنه في الواقع تحوّل زلزالي ذات تداعيات عميقة على قضايا العِرق، والهوية المدنية، والتأثير السياسي، وعلى قدرة الدولة على إدارة مشهد أخلاقي متشظٍّ ومتصدّع.

بالأرقام

يعرّف نحو ثلاثة من كل عشرة بالغين أميركيين أنفسهم اليوم على أنهم غير منتمين دينياً – أي بزيادة قدرها 33% منذ عام 2013، وفقاً لمعهد أبحاث الدين العام (PRRI)، وهو مؤسسة غير حزبية. وتُعد هذه الوتيرة أسرع من معظم

التحولات الدينية الكبرى التي شهدتها الولايات المتحدة في تاريخها الحديث، وهي تطال مختلف الفئات العرقية.

كما يُظهر التقرير أن حوالى أربعة من كل عشرة أميركيين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عاماً (38%) يعرّفون أنفسهم كغير منتمين دينياً، مقارنة بـ32% في عام 2013.

من ناحيتها، تُبرز استطلاعات مؤسسة “غالوب” أن 57% من الأميركيين نادراً ما يحضرون الشعائر الدينية أو هُم لا يحضرونها أبداً، مقابل 40% منهم في عام 2000.

نظرة مقرّبة

هذا التراجع في النشاط الديني خلّف وراءه ما بات يُعرف بـ«مقابر الكنائس»، أي مبانٍ دينية مهجورة أو شبه مهجورة يصعب بيعها أو تُترك بلا استخدام.

ومن المتوقع أن تُغلق نحو 15 ألف كنيسة أبوابها هذا العام، وهو رقم غير مسبوق، ويتجاوز بكثير عدد الكنائس الجديدة المتوقع افتتاحها، بحسب تقارير كنسية ومستشارين كنسيين.

والحال أن هذه الكنائس كانت في السابق تشكّل مراكز اجتماعية للمجتمع المحلي، تشهد انعقاد اجتماعات منظمة «مدمنو الكحول المجهولون»، أو تُستخدم كمراكز اقتراع، أو كمنتديات بلدية، ما يترك فراغاً اجتماعياً واضحاً مع اختفائها.

علماً بأن الكنائس العملاقة (Megachurches) تُظهر بعض مؤشرات الاستقرار، لكنها غير كافية لقلب الاتجاه العام نحو التراجع.

ما يثير الفضول

مع ابتعاد الأميركيين عن المؤسسات الدينية التقليدية، تجذب قنوات على «يوتيوب»، مثل «Spiritual Manifestation»، مئات آلاف المشتركين، حيث يتشاركون محتوى يدور حول التصوّف، والبصيرة الروحية، و«الحكمة الداخلية».

بدورها، حصدت مقاطع فيديو لخطب ألقاها الفلكي واللاأدري الراحل كارل ساغان، وكذلك عالِم الأحياء والملحد ريتشارد دوكينز، والتي تنتقد الدين، ملايين المشاهدات.

وفي الوقت نفسه، بات أتباع «قديسين شعبيين» كاثوليك غير رسميين من أوساط أميركا اللاتينية، مثل سانتا مويرتي وخيسوس مالڤيردي، أكثر حضوراً وانتشاراً خارج إطار الدين المؤسسي الرسمي.

 

ترجمة بتصرّف عن موقع Axios

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.