إيران: شلل النخبة وتآكل النظام

 

مع اقتراب الذكرى السابعة والأربعين لتأسيسها، تنزلق الجمهورية الإسلامية في إيران إلى مستويات أعمق من عدم الاستقرار البنيوي. فالمرشد الأعلى للجمهورية، آية الله علي خامنئي، الذي يتولى المنصب منذ 36 عامًا ويبلغ السابعة والثمانين من عمره في نيسان/أبريل المقبل، يعاني تدهورًا صحيًا وضعفًا سياسيًا متزايدًا. وقد أُربكت الجهود الدقيقة الرامية إلى إدارة ملف الخلافة بفعل اندلاع موجة اضطراب وطني واسع.

ففي الوقت الذي تشهد فيه مدن إيرانية عديدة احتجاجات شعبية، يبدو الجهاز الرئيسي الذي يعتمد عليه النظام لفرض النظام – أي الحرس الثوري الإسلامي – في حالة انقسام ووهن بعد حرب الأيام الاثني عشر مع إسرائيل في حزيران/يونيو الماضي. أما القوات المسلحة النظامية (الأرتش)، فقد اختارت التزام الحياد في مواجهة تصاعُد التظاهرات. والأهم من ذلك، أن نخبة صنع القرار في البلاد تبدو مشلولة، بعد أن فقدت التوافق الأيديولوجي الذي كان يشكّل ركيزة النظام.

ورغم أن انهيار النظام لا يزال مستبعدًا في المدى المنظور، فإن تلاقي الاضطراب الداخلي مع التردد المؤسسي سيحدّ بشكل حاد من قدرة إيران على إسقاط نفوذها إقليميًا، ويدفع طهران إلى إعطاء الأولوية للدفاع والتكيّف، داخليًا وخارجيًا.

تدرك معظم أجنحة النظام الحاجة إلى إصلاحات جدية، لكنها تختلف جذريًا حول طبيعة هذه الإصلاحات ونطاقها اللازمَين لاستقرار النظام. ففي تموز/يوليو 2024، هندس النظام انتخاب الرئيس الإصلاحي مسعود بزشكيان، في محاولة لامتصاص الغضب الشعبي المتراكم بسبب الجمود الاقتصادي، وتهيئة الأرضية لتفاهم محتمل مع الولايات المتحدة. غير أن الحرب الكارثية مع إسرائيل في العام الماضي نقلت مزيدًا من النفوذ إلى ائتلاف فضفاض من البراغماتيين، مدعوم من القوات المسلحة النظامية، وهو تيار لطالما دعا إلى مقاربة أقل أيديولوجية في السياسات الداخلية والخارجية.

وفي أعقاب الحرب، راهن النظام على الحفاظ على الاستقرار عبر تخفيف بعض القيود الاجتماعية والسياسية – بما في ذلك تخفيف تطبيق قانون الحجاب الإلزامي في الأماكن العامة – بالتوازي مع تحريك دبلوماسي حذر تجاه واشنطن. إلا أن اندلاع الاحتجاجات على مستوى وطني في أواخر كانون الأول/ديسمبر أطاح هذا التوازن الهش، فصعّد المنافسة بين الأجنحة، وعقّد ترتيبات الخلافة، وضيّق أكثر فأكثر هامش تأثير طهران داخليًا وخارجيًا.

من منظور النظام، لم يعد بالإمكان الافتراض بأن هذه الموجة الاحتجاجية ستتلاشى تلقائيًا كما حدث في محطات سابقة. فأي خطوة لتسريع خلافة المرشد الأعلى قد تأتي بنتائج عكسية، عبر تشجيع المحتجين وإيصال إشارة ضعف بنيوي في النظام. في المقابل، فإن القرار القائم حتى الآن بالسماح بالتظاهرات السلمية ينطوي هو الآخر على مخاطر جدية.

أولًا، قد يؤدي ذلك إلى تطبيع التعبئة الشعبية كأداة للتعبير عن المظالم، وهي دينامية لم يُهيأ النظام للتعامل معها، نظرًا لتاريخه القائم على شبه انعدام التسامح مع أي شكل من أشكال المعارضة. ثانيًا، لم تعد التظاهرات محصورة بالمطالب الاقتصادية، بل اتسعت لتشمل مطالب سياسية واجتماعية أعمق، ما يطمس الخط الفاصل بين من يطالبون بتخفيف تدريجي للأعباء، ومن يسعون إلى تغيير جذري في بنية النظام.

وفوق ذلك، لا يستطيع النظام التعويل على أي انفراج قريب في ملف العقوبات. فالمفاوضات مع الولايات المتحدة تبدو متعثرة، ولا توفّر أفقًا فوريًا للتخفيف من الضغوط. أما واشنطن، فتنظر إلى مستقبل النظام الإيراني بوصفه شديد الغموض، ما يدفعها إلى اعتماد سياسة الترقب والانتظار. ومع ذلك، تستعد الولايات المتحدة لسيناريوهات طارئة، وهو ما عكسه تحذير الرئيس دونالد ترامب من أن بلاده ستتدخل في حال أقدمت إيران على قمع الاحتجاجات بعنف. ويضاف إلى ذلك عامل إسرائيل، التي يفاقم اختراقها الاستخباراتي المثبت داخل النظام الإيراني مناخ الشك والارتياب.

وقد عرض أحد المطلعين من داخل النظام رؤيته للمستقبل في مقابلة مع “يورو نيوز” بتاريخ 6 كانون الثاني/يناير. إذ توقّع سعيد ليلاز، وهو اقتصادي ومستشار سابق للرئيس الأسبق محمد خاتمي، اتجاهًا نحو نمط من السلطة الشخصية، على شاكلة “شخصية بونابرتية”، لتجاوز شلل النخبة والجمود البنيوي في طهران. وعندما سُئل عما إذا كان هذا الشخص سيحل محل الرئيس الحالي، أجاب: “لا، أرى بونابرت في موقع المرشد الأعلى”.

وفي اليوم نفسه، طرح رضا بهلوي، نجل الشاه الراحل محمد رضا بهلوي والمقيم في المنفى، رؤية بديلة. ففي مقال له في “واشنطن بوست”، أعلن بهلوي الابن أنه جمع أكثر من مئة تكنوقراطي من اختصاصات متنوعة، ويتشاور مع قيادات تنفيذية دولية، استعدادًا لـ”انتقال منظّم” من النظام الإسلامي المأزوم إلى نظام ديمقراطي. وإذ تعهّد بعدم تكرار “أخطاء اجتثاث البعث في العراق”، حين قامت الولايات المتحدة بإقصاء معظم الإداريين ذوي الخبرة وخلقت فراغًا في السلطة، كتب بهلوي أن فريقه “أطلق منصة آمنة تمكّن عناصر من القوات المسلحة وأجهزة الأمن والمؤسسات الحكومية من الإشارة سرًا إلى استعدادهم للانشقاق عن النظام المنهار والانحياز إلى الشعب الإيراني”.

هاتان مجرد رؤيتين من بين العديد من التصورات المتنافسة حول مستقبل النظام الإيراني. فداخل دائرته نفسها، يبدي كثير من أصحاب المصلحة استعدادًا للتخلي عن أجزاء كبيرة من الأيديولوجيا، معتبرين إياها عناصر ثانوية مقارنة بمصالحهم السياسية الجوهرية. في المقابل، يتمسّك معسكر آخر، لا يقل وزنًا، بالأسس الأيديولوجية للنظام، مع ندرة – إن لم يكن انعدام – البدائل التي تضمن له الحفاظ على موقعه في حال تم التفريط بهذه المبادئ.

بالنسبة إلى البراغماتيين، يمكن التفاوض حول الإطار الأيديولوجي الإسلامي، لكن الدولة نفسها – المتجذّرة في القومية الإيرانية – تبقى خطًا أحمر. وفي المحصلة، فإن غياب التوافق داخل النخبة حول ضرورة الحفاظ على الأسس الأيديولوجية للجمهورية الإسلامية، بعد ما يقارب نصف قرن على تأسيسها، هو ما يميّز اللحظة الراهنة عن الأزمات السابقة. فبدلًا من توحيد الصف، تؤدي استراتيجيات البقاء المتباينة بين الأجنحة المختلفة إلى تعميق الخلل المؤسسي.

عادةً لا تسقط الأنظمة بفعل الاحتجاجات وحدها. فما يؤدي إلى انهيارها هو امتناع الأجهزة الأمنية عن تنفيذ أوامر القيادة السياسية في مواجهة مقاومة شعبية كاسحة. وفي الحالة الإيرانية، يعقّد هذا المشهد الطابع المتشظي للمؤسسة الأمنية ودورها المتغلغل في عملية صنع القرار. غير أن أهمية تصريحات بهلوي تكمن في دقتها الضمنية؛ فهو يدرك أن الاحتجاجات الشعبية شرط ضروري لكنه غير كافٍ، وأن أي تحوّل فعلي يتطلب على الأقل دعمًا ضمنيًا من عناصر داخل الجهاز الأمني للنظام. والأهم، أنه يعبّر عن قلق عميق من أن يؤدي التغيير، إذا أسيء التعامل معه، إلى انهيار الدولة نفسها – وهو سيناريو يسعى جاهدًا إلى تجنّبه.

وهذا التوتر إنما يجسّد المعضلة الأساسية التي تواجه جميع الأطراف المعنية: كيف يمكن دفع التحول السياسي قُدمًا من دون خلق فراغ في السلطة؟

 

ترجمة بتصرّف عن موقع “Geopolitical Futures”

بقلم / كامران بخاري

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.