في الأفق القريب، يبدو أن ملف المحادثات الأميركية – الإيرانية سيتحوّل إلى العنوان الأبرز على شاشات التلفزة ومنصّات التواصل، مع تصاعد الحديث عن ترتيبات لوقف إطلاق النار في أكثر من ساحة مشتعلة في المنطقة. وكما جرت العادة في مثل هذه المواجهات، سيخرج كل طرف بروايته الخاصة للانتصار؛ فالولايات المتحدة ستعلن تفوقها العسكري وقدرتها على فرض التوازن، فيما ستؤكد إيران نجاحها في حماية نفوذها والحفاظ على بنية نظامها.
لكن، بعيدًا عن بيانات النصر، تبقى الحقيقة الأكثر قسوة أنّ فاتورة هذه الصراعات لا تُدفع في واشنطن ولا في طهران، بل في أماكن مثل الجنوب اللبناني، حيث يتحمّل الناس كلفة المواجهة من أمنهم واستقرارهم ومعيشتهم، ويتزايد معها الضغط على اقتصاد لبناني منهك أصلًا.
المشهد اللبناني، في ظل هذا الواقع، مرشّح لمزيد من التعقيد. فمع كل تصعيد إقليمي، تتعمّق الانقسامات الداخلية، ويبرز خطر الانزلاق نحو انقسام عمودي حاد قد يتجاوز في حدّته ما عرفه اللبنانيون في مراحل سابقة، وصولًا إلى استحضار هواجس الحرب الأهلية اللبنانية التي لا تزال آثارها حيّة في الذاكرة الجماعية.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس جديدًا، لكنه أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى: هل آن الأوان للبنانيين أن يعيدوا النظر في موقع بلدهم ضمن لعبة الأمم؟ وهل يمكن لشعب أنهكته الأزمات أن يقتنع بأنّ استقراره لا يمكن أن يكون رهينة صراعات الآخرين، ولا امتدادًا لمشاريع أيديولوجية تتجاوز حدوده وتناقض، في أحيان كثيرة، خصوصيته الاجتماعية والثقافية؟
لقد أظهرت تجارب سابقة، من بينها احتجاجات لبنان عام 2019، أنّ هناك رغبة كامنة لدى شريحة واسعة من اللبنانيين في كسر الحلقة المفرغة، وبناء دولة تتقدّم فيها المصلحة الوطنية على أي اعتبار آخر. غير أنّ هذه المحاولات لا تزال تصطدم ببنية سياسية معقّدة، وتوازنات داخلية هشّة، وتشابك عميق مع مصالح الخارج.
لبنان اليوم أمام مفترق طرق حقيقي: إما الاستمرار في الدور التقليدي كساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، بكل ما يحمله ذلك من كلفة بشرية واقتصادية، أو الشروع، ولو تدريجيًا، في مسار مختلف يقوم على إعادة بناء الثقة الداخلية، وتعزيز مفهوم الدولة، والبحث عن قواسم مشتركة تتجاوز الانقسامات.
في النهاية، لا يبدو أنّ الخطر الأكبر يكمن فقط في احتمالات المواجهة العسكرية، بل في قدرة اللبنانيين أو عجزهم عن تفادي الانقسام الداخلي. فالتاريخ لا يعيد نفسه بالضرورة، لكنه يذكّر دائمًا بأنّ تجاهل دروسه قد يكون الطريق الأسرع إلى تكراره.

مارك الأعور
مغترب لبناني.
- مارك الأعور#molongui-disabled-link
- مارك الأعور#molongui-disabled-link
- مارك الأعور#molongui-disabled-link
- مارك الأعور#molongui-disabled-link
