في خطوةٍ هزّت المشهد القانونيّ والسياسيّ اللبناني، أثار التعميم رقم 1355 الصادر عن وزير العدل القاضي عادل نصّار موجةً عارمةً من الجدل. فمن دون سابق إنذار، صدر التعميم طالباً من كتّاب العدل التحقّق من عدم إدراج المتعاملين على لوائح العقوبات الوطنية والدولية، من خلال إجراءات باتوا مطالبين بتنفيذها عند قيامهم بالمعاملات في دوائرهم. ويرى مؤيّدو الخطوة التي أقدم عليها الوزير أنّها إجراءٌ ضروريّ لحماية لبنان من “اللائحة السوداء” لمجموعة العمل المالي (FATF)، فيما يصفها المعارضون بأنّها “تنفيذ لأجندة خارجية” و”مسٌّ بالسيادة الوطنية”.
خلفيّة التعميم وأبعاده القانونية
يستند وزير العدل في التعميم الصادر في 2 تشرين الأوّل 2025، لتبرير صدوره، إلى قانون تنظيم مهنة كتّاب العدل رقم 337/1994، وإلى قانون مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب رقم 44/2015. ويلزم التعميمُ كتّابَ العدل بالتحقّق من هوية “مالك الحقّ الاقتصادي” ومصدر الأموال، إضافةً إلى مراجعة لوائح العقوبات بهدف الامتناع عن إتمام المعاملات إذا تبيّن أنّ الأطراف المعنيّين بها مُدرجون على تلك اللوائح.
وبحسب مصادر وزارة العدل، فإنّ الهدف هو “حماية لبنان من إدراجه على اللائحة السوداء ومنع عمليات تبييض الأموال”، مؤكّدةً أنّ “المقصود ليس استهداف أي جهة، بل حماية المنظومة القانونية والمالية”.
غير أنّ المعارضين يَرَون في هذه الحجّة نوعاً من السخرية، إذ يتساءلون: كيف لبلدٍ جرى فيه سلبُ جنى أعمار الناس من خلال السطو على ودائعهم المصرفية وتهريب أموال كبار السياسيين والمصرفيين، أن يُصيبَه فجأةً هاجس الحرص على سمعة لبنان المالية، ولا سيّما في ضوء تقارير البنك الدولي وصندوق النقد الدولي اللذين أصدرا مراراً بيانات استنكارٍ للتقصير الحكومي والنيابي في معالجة الأزمة المالية؟
إشكاليّات دستوريّة وقانونيّة
من وجهة نظرٍ قانونية، فإنّ التعميم يتضمّن تجاوزاً للصلاحيات وتحويراً للسلطة، إذ إنّ منع أيّ شخصٍ من التصرّف داخل لبنان يجب أن يستند إلى عقوبةٍ يقرّرها القضاء اللبناني، لا إلى مجرّد إدراج اسمه على لوائح عقوباتٍ محليةٍ أو دولية. ولعلّ استخدام عبارة “محلية” جاء للتغطية على الهدف الأساسي، وهو تنفيذ لوائح العقوبات الدولية التي غالباً ما تكون ذات خلفيّةٍ سياسية.
فمبدأ المساواة بين المواطنين اللبنانيين مبدأٌ دستوري، وحقّهم في إجراء المعاملات بحرية ومن دون قيود هو حقٌّ مكرّس في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، الذي صادق لبنان على مضمونه. أمّا منع المواطنين من أهلية التصرّف، فهو حقّ سياديّ وحصريّ للقضاء اللبناني أو للجهات ذات الصفة القضائية.
إنّ ربط هذا التعميم بقانون تنظيم مهنة كتّاب العدل هو حجّةٌ مردود عليها، ذلك أنّ المهنة منظَّمة بقانون، وأيّ تعديل في تنظيمها يفترض صدور تعديل تشريعيّ عن مجلس النواب اللبناني، خصوصاً وأنّ لوزارة العدل سلطةَ الإشراف على المهنة، لكن كتّاب العدل لا يُعتبَرون موظّفين تابعين لملاك الوزارة.
وفي أضعف الأحوال، كان ينبغي على الوزير، الراغب في إصدار تعميمٍ تنظيميٍّ ــ وعلى فرض أنّ هذا الحقّ متاحٌ له قانوناً ــ أن يستحصل على رأيٍ مسبقٍ من مجلس شورى الدولة، وأن يُجري تشاوراً مسبقاً مع مجلس كتّاب العدل في لبنان.
وأيّ اجتماعٍ حصل مع المجلس في وقتٍ لاحق لا يمكن أن يُخفي الخلل الشكلي والإداري الحاصل، ولو قيل إنّ أجواء الاجتماع كانت إيجابية، خوفاً من ممارسة الوزارة صلاحياتها في مراقبة فوضى الرسوم المستشرية في أكثر من مرفقٍ عام وعلى أكثر من صعيد.
السياق الإقليمي والدولي
يأتي هذا التعميم في وقت يشهد فيه لبنان ضغوطاً دولية مكثّفة لتطبيق المعايير المالية الدولية الهادفة إلى تجفيف مصادر التمويل العائدة لحزب الله، ومحاولة إنجاح القرار الحكومي القاضي بحصرية السلاح بيد الدولة.
ومعلومٌ أنّه من المقرّر أن يقدّم لبنان تقريراً مفصّلاً إلى مجموعة العمل المالي(FATF) في تشرين الثاني المقبل، ويأتي هذا التعميم في إطار الجهد الذي تبذله الحكومة اللبنانية لاسترضاء الإدارة الأميركية وموفديها إلى لبنان، من دون إغفال الدول المانحة الإقليمية، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، في محاولة لإعادة الاستقرار المالي والاقتصادي إلى البلاد.
غير أنّ هذا التوجّه يصطدم بتحفّظات قوية من قوى سياسية لبنانية، أبرزها حزب الله الذي يرى في هذه الإجراءات “خضوعاً للضغوط الأميركية”. وقد وردت تعليقات عدّة لنواب في الحزب تساءلوا فيها عمّا إذا كان وزير العدل اللبناني قد انضمّ إلى الضابطة العدلية للإدارة الأميركية.
انعكاسات على الساحة الداخلية
أصبحت العديد من الخطوات الحكومية موضع امتعاضٍ لدى فئة من الشعب اللبناني، في مقابل ترحيبٍ وتشجيعٍ من فئة أخرى. وجاء تعميم وزير العدل ضمن هذا السياق، إذ أثار تساؤلات حول مدى مشروعيته في ظلّ تأثيره على الحقوق المدنية والاقتصادية للأفراد، ولا سيّما ما يتعلّق بالحقّ في التملّك والتصرّف وإدارة الممتلكات.
كما طرح التعميم إشكالياتٍ عملية حول آلية تنفيذه، وكيفية التحقّق من لوائح العقوبات الدولية، ومدى سلطة كتّاب العدل في تقييد المعاملات من دون سند قضائيّ، من دون إغفال التساؤلات حول مدى مشروعية إغلاق الباب أمام تقديم معاملات الترشّح للانتخابات النيابية المقبلة لسياسيين وردت أسماؤهم على لوائح العقوبات الأميركية.
مستقبل التعميم وتداعياته
من خلال مراقبة ردّات الفعل في الداخل اللبناني المحتقَن، يبدو أنّ مصير هذا التعميم سيكون رهينة التوازنات السياسية والقانونية. فبعد المذكرة الإدارية التي أصدرها رئيس الحكومة منفرداً والمتعلّقة بشروط التجمعات العامة، والتي وضعت هيبة الدولة أمام امتحان صعب، يأتي اليوم تعميم وزير العدل المتعلّق بتنظيم مهنة كتابة العدل، بهدف إثبات النية الجدية لدى الحكومة في تطبيق الإصلاحات المالية.
ومع كلّ قرارٍ من هذا النوع، يدخل لبنان إلى حقل ألغام جديد يتنفس معه المواطنون الصعداء بقلق، ويبقى التحدّي الأكبر الذي ستواجهه الحكومة ــ التي لا شكّ تدرك أنّ مثل هذه القرارات والتعاميم من الأفضل أن تصدر عن مجلس النواب أو البلديات ــ في مدى قدرتها على صون السلم الأهلي، وحماية السيادة الوطنية وهيبة الدولة والقضاء في آنٍ واحد، تفادياً للانجراف الجماعي نتيجة التسرّع وافتقاد الحكمة في دراسة التداعيات بعناية، بما قد يقود إلى اقتتال داخلي لا يخدم الخطة الحكومية في جذب الهبات والمساعدات المالية، بل يخدم الأجندات الخارجية التي لا تريد الخير للبنان، وتستغلّ حاجة المالية العامة إلى الدعم الدولي.
ويبقى السؤال المحوري: هل ستنجح حكومة لبنان في تحقيق المعادلة الصعبة بين الوفاء بالتزاماتها الدولية والحفاظ على سيادة لبنان وقراره الوطنيّ الحرّ؟ أم سنشهد سلسلةً من القرارات والتعاميم التي ستكون حلقات إضافية في سلسلة الصراعات الداخلية والخارجية التي تعصف بالبلد؟
الأيام المقبلة ستكون حُبلى بالتطوّرات، فلبنان على موعدٍ مع استحقاقاتٍ كبرى، تبدأ من تقرير مجموعة العمل المالي (FATF) المرتقب في تشرين الثاني المقبل، وصولاً إلى الانتخابات النيابية المقبلة. وإن كانت ثمّة نصيحة يمكن توجيهها إلى الحكماء في لبنان، فهي الآتية: عودوا إلى تطبيق خطاب القسم، واستعيدوا المال العام المنهوب لتغذية المالية العامة، وسارعوا إلى معالجة الآثار السلبية للتعميم 1355، ولا تجعلوا الإدارات رهينة أفواج من المستشارين الحاقدين أو أصحاب عقد النقص، فالشعب اللبناني اليوم أحوج ما يكون إلى ما يجمعه لا إلى ما يفرّقه، وإلى ما يُحصّن وحدته الداخلية لا إلى ما يُهدّد استقراره الاجتماعي.

د. جاد طعمه
محامٍ لبناني وأستاذ قانون، حاصل على شهادة الدكتوراه في الحقوق، وعضو فاعل في المشهد الحقوقي والقانوني، حيث يكتب في الشؤون القانونية وينخرط في مبادرات مكافحة الفساد والدفاع عن الحقوق العامة.
