الإدراك كمبدأ تأسيسي في الممارسة الدبلوماسية الأميركية المعاصرة
لم تعد الدبلوماسية الأميركية المعاصرة، كما تتجلى في أدبيات كليات الحرب والعقيدة الاستراتيجية، تنظر إلى التفاوض بوصفه امتدادًا للدبلوماسية الكلاسيكية، بل أعادت تعريفه باعتباره استمرارًا للمواجهة بوسائل غير حركية. وضمن هذا الإطار المعرفي، لا تُعامل الحقيقة الموضوعية بوصفها قيمة قائمة بذاتها، بل تُمنح الأولوية لعمليات تشييد “الحقيقة” وتداولها وأثرها الأدائي، كما تُفرض إدراكيًا على الخصم عبر آليات إدارة القلق.
وعليه، فإن الهدف المركزي ليس الإقناع الجوهري، بل إعادة تشكيل البيئة الذهنية للطرف المقابل. إذ يُوجَّه الفاعل المستهدف، بصورة غير مباشرة، إلى إدراك التنازل بوصفه ضمانة عقلانية في مواجهة المجهول، مع قناعته بأنه يحافظ على مصالحه الأساسية، فيما يكون في الواقع منفذًا لتفضيلات استراتيجية صاغتها واشنطن. ويتطابق هذا المسار مع ما صاغه ميشيل فوكو بوصفه البعد الإنتاجي للسلطة: أي السلطة لا كقمع مباشر، بل كقدرة على تشكيل حقول الإدراك والإمكان والسلوك.
وقد تجلّى هذا المنطق علنًا في الجمع المتعمد الذي اعتمده الرئيس دونالد ترامب بين الإشارات العسكرية والتهديدات الصريحة بقرب توجيه ضربات، وبين خطاب موازٍ يعلن الاستعداد للتوصل إلى اتفاق. وقد شكّل هذا التوازي محاولة محسوبة لفرض أفق إدراكي مغلق على إيران، تُقدَّم فيه خيارات محدودة: الخضوع السياسي وفق مسار تقني مضبوط، أو الخوض في غمار مغامرة مواجهة عسكرية ستكون نتائجها سيئة، إن لم تكن كارثية، على النظام والدولة الإيرانية.
تفعيل العقيدة – عقلية “مطوّر العقارات” والإكراه الزمني
تعكس مقاربة واشنطن للملف الإيراني منطق فاعل سوقي قصير الأمد، تحكمه الاستحقاقات الانتخابية والحسابات الفصلية والسعي إلى مكاسب سريعة. وفي هذا التصور، تُعامَل إيران كأصل سيادي يُراد انتزاع قيمته بأقل كلفة ممكنة وفي أضيق إطار زمني.
ولتحقيق هذا الهدف الاستراتيجي، توظف السياسة الأميركية تقنيات التأطير الإدراكي وتقييد جدول الأعمال، عبر حصر النقاش في منع “كارثة” وشيكة. ويُنتَج الغموض هنا عن قصد، بحيث يتحول الزمن نفسه إلى أداة ضغط. وتعمل عبارات ترامب المتكررة – من قبيل “سنرى إن كان بإمكاننا فعل شيء” – على وضع طهران في دهليز نفسي يصبح فيه التأخير عبئًا اقتصاديًا وسياسيًا.
وحين أضاف ترامب أن فشل التوصل إلى اتفاق سيكشف “ما إذا كان المرشد الإيراني على حق”، تحوّل عدم اليقين إلى أداة إكراه. وجرت محاولة نزع الشرعية الرمزية عن خطاب الردع الإيراني عبر لغة استعلائية عابرة، بما يسرّع عملية اتخاذ القرار تحت الضغط. ومن منظور علم الاجتماع السياسي، تمثل هذه الحالة نموذجًا واضحًا للهيمنة الزمنية، حيث تُمارَس السلطة عبر التحكم بإيقاع القرار السياسي، لا بمضمونه فقط.
المنطق المضاد لطهران – حائك السجاد والمقاومة الإدراكية
في المقابل، تستند الدبلوماسية الإيرانية إلى تراث حضاري طويل يتسم بالدقة والاحتمال واتساع الأفق الزمني، وهو ما يُجسَّد رمزيًا في فن نسج السجاد. وهذه الاستعارة ليست ثقافوية، بل تحليلية، إذ تعبّر عن عقلانية زمنية متميزة في سلوك الدولة. فالضغط الخارجي لا يُنظر إليه كتهديد يجب تفاديه، بل كإبرة تُنسَج عبرها خيوط القوة.
تعامل طهران التفاوض بوصفه ساحة مواجهة إدراكية. في مواجهة السرعة الأميركية، تستحضر التماسك؛ وفي مواجهة الاستعجال، توظف الصبر كسلاح. فالزمن، بدل أن يكون عبئًا، يتحول إلى رافعة استراتيجية. ولا تدخل إيران في اتفاقات متسرعة دون مكاسب متناسبة. وكل تصعيد يُستوعَب ويُعاد تدويره ودمجه ضمن نمط استراتيجي أكثر كثافة، يعزز ما يبقى خفيًا تحت السطح.
وقد بُلغ هذا الموقف بوضوح حين رفض نواب البرلمان الإيراني، وهم يرتدون الزي العسكري، الادعاءات بوجود مفاوضات جارية عبر شعارات أيديولوجية علنية. وكانت الرسالة صريحة: إن الحدود العقدية والمنظومات الحاكمة للسلوك السياسي تمنع الانزلاق إلى الوهم أو الخضوع للابتزاز الزمني لفاعل استراتيجي موجَّه بمنطق السوق.
الصمود الاستراتيجي وانهيار أطر التهديد
تعمل تصريحات الإمام علي الخامنئي على تقويض السردية الأميركية القائمة على الترهيب بصورة منهجية. فقد شدد مرارًا على أن المجتمع الإيراني لا يتأثر بالتهديدات ولا يرتدع بالإشارات إلى الحشود أو الانتشارات العسكرية الأميركية. ويشير إلى أن هذا الخطاب مألوف تاريخيًا، وغالبًا ما رافقته العبارة المتكررة بأن “جميع الخيارات مطروحة على الطاولة”.
ويتعزز هذا الصمود الإدراكي بتحذير استراتيجي واضح مفاده أن أي حرب تبادر إليها الولايات المتحدة ستتحول حتمًا إلى مواجهة إقليمية. وفي الوقت الذي جرى فيه التداول بجهود وساطة إقليمية، نقلت إيران رسائل لا لبس فيها إلى دول الجوار مفادها أن أي رد على البنى العسكرية الأميركية سيكون جوهريًا لا رمزيًا، وأن أي خطأ في التقدير سيؤدي إلى سقوط قتلى في صفوف القوات الأميركية. ومن منظور سوسيولوجي، يعكس ذلك مستوى مرتفعًا من القدرة البنيوية للدولة على تحويل التماسك الأيديولوجي إلى ردع ذي مصداقية.
“النَّرْمَشَة القهرمانانية” – عقيدة المرونة الاستراتيجية
تمثل “النَّرْمَشَة القهرمانانية”، وهو مفهوم صاغه الإمام الخامنئي، عقيدة في المرونة غير المتكافئة تحت الضغط البنيوي. وهي لا تشير إلى ضعف أو تنازل، بل إلى مناورة محسوبة تقوم على القابلية للتكيّف التكتيكي من أجل الحفاظ على سلامة البنية الأيديولوجية والمؤسساتية.
عمليًا، تقوم هذه العقيدة على مرونة في الأطراف لحماية الصلابة في المركز. وهي تتيح لـ “مطوّر العقارات” الأميركي أن يظن أنه حقق اختراقًا دبلوماسيًا، فيما يراكم المفاوض الإيراني بهدوء مكاسب تقنية وزمنية – كالحفاظ على أبحاث أجهزة الطرد المركزي المتقدمة أو تعزيز النفوذ الإقليمي – تحت غطاء الحوار.
ويسمح هذا الفصل المتعمد بين المظهر والقصد لإيران بأن تظهر الاعتدال في الساحات متعددة الأطراف، مع الحفاظ على ردع صارم في رسائل التهديد المباشر، بما في ذلك تحذيرات صريحة باستهداف القوات الأميركية في حال ارتكبت واشنطن خطأً استراتيجيًا.
الإدراك، والسلطة، وتضاد المنهجيات
في جوهرها، تعكس هذه المواجهة صراعًا بين نظامين معرفيين. أحدهما ينطلق من افتراض أن “من يسيطر على الشاشة يسيطر على الواقع”، بينما يستند الآخر إلى قناعة مفادها أن “من يحكم الخيط يحدد متانة السجاد”.
يعتمد النهج الأميركي على الإكراه المقنَّع بالتفاوض، مفضّلًا شكلًا من الشفافية التي تُقصي المناورة وتفرض ضغوطًا زمنية مشوَّهة. في المقابل، ترد إيران بوضوح عقدي و”نرمشة قهرمانانية”، تُحبط الوهم وتقاوم التلاعب الإدراكي.
وفي المحصلة، يكتشف الاستراتيجي الأميركي أن الخداع الزمني قد جرى امتصاصه وتحويله إلى عبء عليه. بينما ينجح الحائك الإيراني في شدّ العقد الخفية لنسيجه، تاركًا الفاعل الاستراتيجي الموجَّه بمنطق السوق يواجه كلفة الزمن مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية وتضاؤل هوامش الحركة. وما يبقى في النهاية هو متانة السجاد – متانة لا تُصنع بالاستعراض، بل بالهندسة الخفية لنسجه.

د.عاطف الموسوي
المدير السابق لمعهد العلوم الاجتماعية – الفرع الأول في الجامعة اللبنانية. حاصل على دكتوراه في العلوم الاجتماعية ودبلوم دراسات عليا في علم الاجتماع السياسي. في رصيده مجموعة من الأبحاث والدراسات. شارك في عدد من المؤتمرات العلمية في الداخل والخارج منها مؤتمر أبو ظبي للإعلام عام 2012.
