‏حين تتباهى الحكومة بالجريمة: قانون الفجوة المالية كإعلان حرب على المودعين

‏حين تتباهى الحكومة بإقرار «قانون الفجوة المالية»، فهي لا تحتفل بإنجازٍ تشريعي، بل تجاهر باعترافٍ رسمي بجريمة مكتملة الأركان. لم تعد المسألة سوء إدارة أو خطأ تقدير؛ نحن أمام سلطة تُقنِّن السرقة وتعرضها كإصلاح، وتطلب من الضحايا التصفيق.

‏هذا القانون ليس علاجًا للأزمة، بل ختم تصديق على نهبٍ وقع وانتهى. هو الوثيقة التي تُسدل الستارة على آخر ما تبقّى من حقوق المودعين، وتحوّل الجريمة من فعلٍ مُدان إلى نصّ قانوني محصَّن. هكذا، وبكل وقاحة، تُنقل الخسائر من جيوب من ارتكبها إلى جيوب من وثق بالدولة والمصارف.

‏الأشدّ فظاعة أنّ الحكومة لا تكتفي بتحميل المودعين الخسائر، بل تُجرِّدهم من صفة الضحية. تُصوّر الودائع كأنّها امتياز، لا حقًّا، وكأنّ استرداد المال جريمة بحق «الاستقرار». أي استقرار هذا الذي يقوم على دفن الملكية الخاصة، وشطب العقد الاجتماعي، وتحويل الناس إلى رهائن؟

‏لقد أُقرّ القانون، وسقط معه آخر قناع.
‏لم تعد المصارف «متعثّرة»، بل مُفلَسة أخلاقيًا وماليًا.
‏لم تعد الدولة عاجزة، بل شريكة فاعلة في الجريمة.
‏ولم يعد الانهيار احتمالًا، بل سياسة رسمية.

‏إنّ ما يسمّونه «إعادة هيكلة» ليس سوى إفلاس مُقنّع:
‏مصارف بلا رسملة حقيقية،
‏ودائع مشطوبة أو مُفرَّغة من قيمتها،
‏ونظام مالي يعيش على أجهزة التنفّس الاصطناعي بانتظار موتٍ معلن.

‏بهذا القانون، تُعلن الحكومة عمليًا:
‏نحن لا نريد محاسبة،
‏ولا نريد استرداد الأموال المحوّلة،
‏ولا نريد مساءلة من قرّر ووقّع وربح.
‏نريد فقط إغلاق الملف على جثث المودعين.

‏فكل الذين أداروا هذه المؤسسات يتحملون المسؤولية كاملة. استدانوا وأنشأوا مصارفهم الخاصة، وسمسروا بصفقات البواخر والفيول المغشوش والمازوت الأحمر، فضلًا عن سياسة الدعم التي خدموا فيها نظام حليفهم المخلوع، الذي بسببه وسببهم تمّ تفجير بيروت بنيتراتهم.

‏التباهي بهذا القانون ليس سوء تقدير سياسي؛ إنّه استفزاز اجتماعي، ورسالة فحواها أنّ الدولة اختارت الوقوف ضد مواطنيها، وأنّ العدالة لم تعد هدفًا بل عبئًا يجب التخلص منه. من يشرّع مصادرة أموال الناس لا يُنقذ اقتصادًا، بل يؤسّس لفوضى مقبلة، لأنّ الثقة التي تُقتل بالقانون لا تعود بالخطابات.

‏قانون الفجوة المالية ليس نهاية الأزمة، بل بدايتها بصيغة رسمية.
‏هو لحظة السقوط المدوّي لدولة أعلنت، من دون خجل، أنّها أفلسَت… فقرّرت أن تُفلس شعبها ‏معها.

فبحسب مدرسة الاقتصاد المؤسسي الجديد، ينبغي الحفاظ على المؤسسات، مع إزالة الطابع الشخصاني عنها. إذ طالما أنّ الأشخاص أنفسهم هم من يديرون هذه المؤسسات، فإن النتائج ستبقى خاضعة للمبدأ نفسه: Same tools, same results. ومع إفلاس المصارف واستحضار مصارف جديدة، يبرز سؤال جوهري: من سيكون أصحاب هذه المصارف؟ وهل سيكونون الأشخاص أنفسهم، ولكن تحت مسميات جديدة؟

‏ولطالما لم يتطرّقوا لأسباب الأزمة الحقيقية ، التي يعرفونها جيّدًا، فلا هذه الحكومة ولا غيرها ستستطيع معالجة الأزمة.
‏فهل كان الشرط الأساسي لحزب الله وحلفائه وشركائه الإقليميين، للدخول بالشراكة في السلطة مع العهد الجديد وبمباركة رئيس المجلس، هو صوغ قوانين كهذه للهروب من العقاب؟

‏تعتبر الحكومة هذا القانون حلًّا للمودعين؛ وماذا عن دين الدولة وسندات اليوروبوند؟ هل سيعني ذلك جحيمًا ضرائبيًا جديدًا؟

‏الاقتصاد والسياسة توأمان لا ينفصلان. الحل الوحيد هو باقتلاع هذه الطبقة بالكامل. وذلك لا يتم إلا بالعملية الانتخابية التي ستليها عملية محاسبة شفافة. وهذا ما يفسر استماتة هذه المنظومة لإفشال أي تغيير ديمقراطي لتطيير الانتخابات من بوابة حق المغتربين، أو تحت ضغط الأمر الواقع. فهل هذا ما يضع لبنان أمام المقصلة الدولية للمحاسبة؟ وهل تكون محاسبة ناعمة؟ أم ستكون محاسبة جيبييوياتيّة 58-GBU؟

مقالات الكاتب

د. ميشال الشّمّاعي

كاتب وباحث سياسي.