في الشرق الأوسط، لا تُقاس قوة الدول بما تنفقه على السلاح فقط، بل بما تملكه من قدرة على تحويل هذا السلاح إلى سيادة. وعلى امتداد العقود الماضية، أنفقت الدول العربية مئات المليارات على التسلّح والتحالفات الأمنية، لكنها لم تحصد بالمقابل استقراراً موازياً. بل على العكس، كلما ارتفع الإنفاق، ازداد انكشاف المنطقة على الأزمات، وكأن معادلة الأمن قد انقلبت من وسيلة للحماية إلى باب مفتوح لإعادة إنتاج الهشاشة. في هذا السياق، لا يبدو الخلل طارئاً، بل نتيجة تراكمية لمسار طويل من الاعتماد على الخارج، على حساب بناء القدرة الذاتية.
وفي لحظة إقليمية شديدة الاضطراب، يتبدّى خلل عميق في معادلة الأمن العربية، رغم الإنفاق الهائل على التسلح إلا أن ذلك لم يقابله استقرار متناسب. فمنذ نهاية الحرب الباردة، تصاعدت واردات السلاح في الشرق الأوسط بشكل لافت، وتشير تقارير معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) إلى أن المنطقة بقيت بين الأكبر عالمياً في استيراد السلاح خلال العقدين الأخيرين. غير أن هذا التراكم الكمي لم يتحول إلى قدرة ردع متماسكة، بل إلى اعتماد بنيوي على الخارج في التدريب والصيانة وسلاسل الإمداد.
المعضلة هنا ليست في امتلاك السلاح بحد ذاته، بل في نمط بنائه، فالأنظمة المشتراة تعمل ضمن منظومات أجنبية وتبقى فعاليتها رهناً بقرارات سياسية وتقنية خارجية. وكما يلاحظ عدد من منظّري العلاقات الدولية، فإن “التحالفات غير المتكافئة” تمنح حماية مشروطة أكثر مما تمنح سيادة مكتملة. بهذا المعنى، يتحول الأمن إلى خدمة تُستورد لا إلى قدرة تُنتَج.
الجغرافيا السياسية للممرات والطاقة
يكتسب هذا الخلل بُعداً أوضح عند النظر إلى الجغرافيا. فالعالم العربي يتموضع على عقدة من أهم عقد الطاقة والملاحة في العالم. مضيق هرمز، وباب المندب، وقناة السويس. هذه الممرات ليست مجرد طرق تجارة، بل ثبت أنها نقاط ضغط استراتيجية في صراعات القوى الكبرى.
حين تتعرض هذه المسارات لتهديدات، سواء عبر توترات بحرية أو هجمات على منشآت الطاقة، تظهر محدودية المقاربة الأمنية القائمة على الحماية الخارجية. إن أمن هذه الممرات لا يُصان فقط بوجود قواعد أو منظومات دفاع، بل عبر منظومة إقليمية متكاملة قادرة على إدارة المخاطر السياسية والعسكرية معاً.
وهنا تتجلى المفارقة، فالمنطقة التي تمتلك موقعاً جغرافياً بالغ الأهمية، لم تنجح في تحويله إلى مصدر قوة استراتيجية مستقلة، بل بقيت ساحة تنافس بين قوى أخرى.
دورة المال والقوة: من يموّل من؟
تتقاطع الجغرافيا مع الاقتصاد في ما يمكن تسميته “دورة المال والقوة”. فالدول العربية ولا سيما الخليجية منها ضخت ولا تزال تضخ استثمارات ضخمة في الاقتصادات الغربية، بالتوازي مع صفقات تسليح بمليارات الدولارات. هذه الأموال تسهم في دعم صناعات متقدمة من بينها الصناعات الدفاعية.
لكن الأثر المرتد على الداخل العربي يبقى محدوداً نسبياً. فبدلاً من بناء قاعدة صناعية عسكرية أو تكنولوجية محلية يستمر الاعتماد على الخارج. وتتحول العلاقة إلى دائرة مغلقة تبدأ بتمويل للقدرة العسكرية الخارجية مقابل حماية لا تكتمل شروطها وحاجة للتسويق لضرورة شراء أسلحة جديدة.
وقد لخص هنري كيسنجر هذه المفارقة في سياق آخر حين أشار إلى أن “من يتحكم بتدفق الموارد يتحكم بمسار السياسة”. وفي الحالة العربية يبدو أن تدفق الموارد لم يُترجم إلى تحكم فعلي بالقرار.
ولا يمكن فهم مسار التراجع الاستراتيجي العربي دون العودة إلى التحولات المفصلية التي أعقبت حرب الخليج الأولى، حين دخل النظام الإقليمي العربي مرحلة إعادة تشكّل عميقة. ففي تلك اللحظة، انكسر أحد أبرز مراكز الثقل العسكرية العربية، وترافق ذلك مع تعمّق الاعتماد على المظلة الأمنية الخارجية، في مقابل مكاسب آنية لم تصمد طويلاً. ومع مرور الوقت، تبيّن أن كلفة تلك الخيارات لم تكن محدودة، بل امتدت لتشمل استنزافاً مالياً واستراتيجياً قُدّر بتريليونات الدولارات، دون أن يقابله بناء منظومة أمن عربي متماسكة. ومنذ ذلك الحين، بدا أن ميزان المبادرة انتقل تدريجياً من الفعل العربي إلى التأثر بتوازنات تُصاغ خارج حدوده.
تحولات الصراع بعد عملية طوفان الأقصى
شكّلت عملية طوفان الأقصى نقطة انعطاف في ديناميات الصراع، إذ أعادت مركزية القضية الفلسطينية إلى الواجهة، لكنها في الوقت ذاته كشفت محدودية الفعل العربي الرسمي. فبينما انخرطت قوى إقليمية وغير دولية في إعادة تشكيل المشهد، بدا الموقف العربي أقرب إلى التفاعل منه إلى المبادرة.
هذا التحول أعاد طرح سؤال قديم، هل يمتلك العالم العربي أدوات التأثير في مسارات الصراع، أم أنه يتحرك ضمن هوامش ترسمها قوى أخرى؟ الإجابة، كما توحي الوقائع، تميل إلى الخيار الثاني، في ظل غياب الاستراتيجية الموحدة.
في السياق ذاته، لا يمكن فصل هذا المشهد عن تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، والذي يشكّل الإطار الناظم لكثير من تفاعلات المنطقة. فالمواجهة بين الطرفين لم تعد محصورة في نطاقها المباشر، بل تمتد عبر ساحات متعددة تشمل الخليج والعراق واليمن ولبنان. وفي ظل هذا التصعيد، تبدو الدول العربية في موقع المتأثر أكثر من كونها طرفاً فاعلاً، إذ تتأرجح سياساتها بين محاولات الاحتواء والانخراط غير المباشر، دون امتلاك القدرة على صياغة مسار مستقل للصراع. وهو ما يعيد التأكيد على الإشكالية الأساسية: غياب الفاعلية الاستراتيجية العربية في لحظة إقليمية تُعاد فيها صياغة موازين القوى.
تعددية مراكز القوة الإقليمية
في المقابل، برزت قوى إقليمية أكثر قدرة على توظيف أدواتها السياسية والعسكرية. فـإيران طورت نموذجاً يقوم على النفوذ غير المباشر عبر شبكات محلية، وتركيا اعتمدت مزيجاً من القوة العسكرية والدبلوماسية النشطة، بينما عززت إسرائيل تفوقها التكنولوجي والعسكري ضمن تحالفات ثابتة.
هذا التعدد في مراكز القوة أعاد رسم الخريطة الإقليمية، بحيث لم يعد العالم العربي مركزها بل أحد أطرافها. ويعود ذلك، في جانب كبير منه، إلى غياب مشروع عربي جامع مقابل مشاريع واضحة نسبياً لدى هذه القوى.
تشظّي القرار العربي وتآكل الفعالية
لا يمكن فصل هذا التراجع عن البنية الداخلية. فالانقسامات السياسية، والتباينات الأيديولوجية، والتوترات المذهبية، كلها عوامل حدّت من قدرة الدول العربية على التنسيق. وبدلاً من بناء منظومة أمن جماعي، سادت مقاربات فردية، أضعفت القدرة على التأثير.
في لبنان، تتجلى هذه الإشكالية في تداخل الأزمات الاقتصادية والسياسية، بما يثير مخاوف مستمرة من مزيد من عدم الاستقرار. أما سوريا، فما تزال تعكس تعقيدات الصراع متعدد المستويات حيث تتقاطع مصالح قوى محلية وإقليمية ودولية.
هذه الحالات ليست استثناءات، بل تعبير عن نمط أوسع، يبدأ من تكريس ضعف الدولة في إدارة التعددية الداخلية ما يفتح المجال لتدخلات خارجية أو صعود قوى موازية.
القضية الفلسطينية بين المركز والهامش
في هذا السياق، تراجعت مركزية القضية الفلسطينية في السياسات العربية، رغم عودتها إلى الواجهة إعلامياً وسياسياً بعد الأحداث الأخيرة. فبين مسارات التطبيع، والضغوط الاقتصادية، والتحولات الإقليمية، لم تتبلور مقاربة عربية قادرة على تحويل التعاطف السياسي إلى تأثير فعلي.
ويعكس ذلك إشكالية أعمق تتمثل بغياب الربط بين القضية الفلسطينية وبناء مشروع عربي أوسع، يجعلها عرضة للتقلبات السياسية، بدل أن تكون جزءاً من استراتيجية طويلة المدى.
مراجعات جارية وحدودها
شهدت السنوات الأخيرة محاولات لإعادة التوازن في العلاقات الدولية، من خلال الانفتاح على قوى مثل الصين وروسيا. هذه الخطوات تعكس إدراكاً متزايداً لضرورة تنويع الشراكات، لكنها تبقى محدودة في تأثيرها ما لم تُترجم إلى سياسات داخلية تعزز الاستقلال الاقتصادي والتكنولوجي.
كما أن التحول في السياسة الخارجية، دون إصلاح داخلي موازٍ، قد يعيد إنتاج أنماط الاعتماد نفسها، ولكن مع شركاء مختلفين.
في ظل هذا التحول، لا يمكن إغفال تصاعد حضور قوى دولية مثل الصين وروسيا، اللتين تسعيان إلى إعادة رسم توازنات النفوذ في المنطقة، ما يعكس انتقال النظام الدولي نحو تعددية قطبية أكثر تعقيداً.
كما أن استمرار الاقتصادات العربية في الاعتماد على أنماط ريعية، دون تطوير قاعدة إنتاجية مستدامة، يحدّ من قدرتها البنيوية على ترجمة مواردها إلى نفوذ فعلي.
نحو إعادة تعريف الأمن
إن التجربة العربية خلال العقود الماضية تشير إلى ضرورة إعادة تعريف مفهوم الأمن. فالأمن ليس مجرد توازن عسكري، بل منظومة تشمل الاقتصاد، والتعليم، والتكنولوجيا، والشرعية السياسية.
إن استقرار الدول يرتبط بقدرتها على بناء مؤسسات قوية أكثر من امتلاكها أدوات القوة الصلبة فقط. وهذا ما يفتقده جزء كبير من العالم العربي اليوم.
بالتالي، فإن الانتقال من “أمن مستورد” إلى “أمن منتَج” يتطلب تحولاً عميقاً في السياسات، يبدأ من الداخل قبل الخارج.
في المحصلة، لا تبدو أزمة العالم العربي اليوم أزمة موارد أو إمكانات، بقدر ما هي أزمة خيارات ومسارات تاريخية تراكمت نتائجها. فبين الاعتماد على الحماية الخارجية، وتفكك القرار الداخلي، تآكلت القدرة على الفعل، وتحول الموقع الجيوسياسي الاستثنائي إلى عبء أكثر منه مصدر قوة.
وفي لحظة إقليمية يعاد فيها رسم موازين القوى بين الولايات المتحدة وإيران، وتبرز فيها أدوار فاعلة لكل من تركيا وإسرائيل، يجد العالم العربي نفسه خارج مركز التأثير، رغم أنه يقع في قلب الجغرافيا التي تُعاد صياغتها.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم لم يعد كيف يمكن تجنّب الأزمات، بل كيف يمكن استعادة القدرة على المبادرة. فالأمم لا تُقاس بما تملكه من ثروات، بل بقدرتها على تحويلها إلى نفوذ، ولا بما تعقده من تحالفات، بل بما تبنيه من استقلال. وبين هذين الحدّين، يتحدد ما إذا كان العالم العربي سيبقى ساحةً لصراعات الآخرين، أم سيستعيد يوماً دوره كفاعلٍ فيها.

د. جاد طعمه
أستاذ مادتي «سوسيولوجيا واقتصاديات الفساد» و«التشريعات الداخلية لمكافحة الفساد» فيكلية الحقوق – الجامعة اللبنانية، وباحث في قضايا الحوكمة والامتثال القانوني.
