هل يُدرك المسؤولون اللبنانيون، ومن يتعاونون معهم، الانعكاسات السلبية للحرب الدائرة حاليًا على الأرض اللبنانية؟ وهل يَعون منهجية هذا الصراع الذي يؤثّر في المجتمع اللبناني عمومًا، ولا سيما في تدمير حياة اللبنانيين وتهديد استقرارهم السياسي والأمني والاقتصادي والمالي والاجتماعي، وما لذلك من تأثير خطير على بيئة الشعب؟
إنها حرب تُخاض على أرض لبنان، وتؤدّي إلى تدمير البُنى التحتية، بما فيها القرى والمؤسسات الخاصة وحتى الرسمية، إضافة إلى الخدمات الأساسية. وهذا ما أدّى، وسيؤدّي، إلى تفاقم الأزمات المعيشية والاقتصادية والإنسانية. وفوق هذا الوضع الشاذ، تسبّبت هذه الحرب بحركة نزوح واسعة للسكان وتشريدهم، ما أدّى إلى تدمير الحياة الاجتماعية والاقتصادية في مختلف المحافظات والأقضية اللبنانية. أيُعقل هذا الأمر؟ ومن المسؤول؟
إنّ ما يجري من نزاع على أرض لبنان بين «حزب الله» وإسرائيل يُشكّل مثالًا حيًا على حرب لا ناقة للشعب اللبناني فيها ولا جمل، ولا قدرة له على تحمّل مخاطرها ونتائجها. فالجنوبيون وأهالي بيروت يعانون النزوح والتشريد، ويواجهون صعوبات جسيمة في الحصول على الغذاء، والرعاية الصحية والاجتماعية، والسكن اللائق. علمًا أنّ المناطق البعيدة نسبيًا عن التوترات تشهد تدفّقًا كبيرًا من النازحين المحتاجين إلى المساعدة والدعم، ناهيك عن ملاحقتهم من قبل الجيش الإسرائيلي بذريعة انتمائهم إلى حزب الله.
أين المسؤولون المؤتمنون على الدستور، بموجب المواد: 49، 50، 53، 64، 65، و66؟ ألا يُدرك السادة المسؤولون أنّ من بين أخطر آثار هذه الحرب الدائرة حاليًا تأثيرها المباشر في الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي والاجتماعي، ما أدّى إلى تفاقم البطالة والفقر، وتعطيل المدارس والجامعات، وإقفال المؤسسات، وتراجع النمو الاقتصادي؟ وهي نتائج ستؤدّي حتمًا إلى موجات هجرة داخلية وخارجية، وإلى خلل ديمغرافي قريب المدى، علمًا أنّ قرى ومدنًا بأكملها قد دُمّرت «عن بكرة أبيها». أضف إلى ذلك إقفال الطرق المؤدية إلى مناطق الاشتباك، ما يجعل الوصول إلى الرعاية الصحية اللازمة للمصابين أمرًا بالغ الصعوبة. أيّ نوع من المسؤولين لدينا؟!
هل قارن المسؤولون حجم الهجمات التي تشنّها إيران على إسرائيل مقارنة بتلك التي تستهدف بها الدول العربية؟
يا سادة، نفّذت إيران نحو 3366 هجومًا على دول الخليج، مقابل 550 هجومًا فقط على إسرائيل منذ بدء الحرب. ألا تخجلون من تعرّض الدول العربية لهذا الكم من الهجمات، علمًا أنّ لديكم رعايا لبنانيين في تلك الدول يعتاشون منها ويُعيلون أهلهم في لبنان؟ أيّ نوع من المسؤولين أنتم؟
ألم تطّلعوا على أعداد القتلى في هذه الحرب؟ في إيران: 1230 قتيلًا. وفي لبنان: تجاوز العدد 420 قتيلًا، عدا آلاف الجرحى. ألم تُحرّك هذه الأرقام ضميركم المهني؟
ألا تُدركون أنّ حقوق الإنسان، في أي دولة وفي لبنان تحديدًا، حقوق أصيلة لا يجوز المساس بها، وهي مكفولة لكل فرد دون تمييز على أساس العرق أو الجنس أو الجنسية أو الإثنية أو اللغة أو الدين أو أي وضع آخر؟ وتشمل في جوهرها الحق في الحياة والحرية والتحرّر من العبودية، إلى جانب حقوق أخرى تضمن الكرامة والعدالة للجميع. ومن حق كل لبناني التمتّع بهذه الحقوق على قدم المساواة، دون استثناء أو تمييز.
هل لديكم ضمير مهني؟ أم أنكم متآمرون؟ من يتحمّل مسؤولية هذه الحرب؟!
إنّ اللبنانيين، أيها المسؤولون، يتعرّضون لأعنف الغارات، ويُهجّرون من بيوتهم ومدنهم تحت القصف والخوف والقلق وعدم اليقين بالعودة. آلاف العائلات باتت على الطرقات، والشعب اللبناني يدفع ثمن حرب لا قرار له فيها. إنّ مسؤوليتكم في هذا الوقت الحرج تفرض تحرّكًا فوريًا وطارئًا، لا يحتمل المماطلة أو التسويف أو التهرّب من المسؤولية. إن ترك الأمور على ما هي عليه يعني أنّكم، عن عمد، تعرّضون لبنان والشعب اللبناني لخطر وجودي دقيق.
وفي لحظة تاريخية حاسمة، وفي ظل حرب لا طاقة لنا على تحمّل تبعاتها وأخطارها، قرّرنا كمركز أبحاث PEAC التحرّك لضبط الوضع ومنع جرّ البلاد إلى حرب مدمّرة تعجز السلطات الرسمية عن وأدها.
ذلك لأنّ ترك الأمور على حالها يعرّض لبنان لخطر وجودي حقيقي، ولأنّ الدولة، بكافة أجهزتها الرسمية المدنية والعسكرية والقضائية والدبلوماسية، عاجزة ومتواطئة، ولا تُبدي أي رغبة في تحمّل المسؤولية الدستورية والقانونية الملقاة على عاتقها. ولأننا قرّرنا عدم ترك لبنان وشعبه لهذا المصير الأسود، ولأنّ التاريخ لن يرحم المتخاذلين والخانعين، ولأننا لمسنا عجز الدولة، ولأننا لن ننتظر قرار دولة فاشلة…
لذلك:
- بما أنّ السيادة الوطنية قد انتُهكت؛
- وبما أنّ «حزب الله» يُصرّ على ربط الجمهورية اللبنانية عضويًا بمشروع ولاية الفقيه؛
- وبما أنّ الجمهورية اللبنانية، بمؤسساتها كافة، والشعب اللبناني بجميع طوائفه ومذاهبه، يدفعون ثمنًا باهظًا لقضية عابرة للحدود؛
- وبما أنّ مئات الآلاف من اللبنانيين قد نزحوا، واتّسعت دائرة الحرب والتهديدات والدمار والتشريد؛
فإنه، ومن وجهة نظر المركز الدولي للأبحاث السياسية والاقتصادية PEAC، بات لزامًا السعي إلى وضع الجمهورية اللبنانية تحت الفصل السابع، استنادًا إلى المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة. وليعلم كل من في السلطة ومن يدعمها أنّ مسعانا ليس مجرّد حبر على ورق أو بيان يُنشر في وسائل الإعلام، بل مشروع عمل نسعى إلى تطبيقه، إذ لم يعد الوقت ترفًا، والدولة تتلاشى أمام غطرسة إيران و«حزب الله».
إنّ مسار الفصل السابع يُعيد للدولة سلطتها، عبر قيام نظام انتقالي ذي مهام محدّدة ومدة زمنية واضحة، من خلال كسر هذا الحكم القائم على المهادنة، وبيع السيادة، ونحر اللبنانيين.

بسام ضو
كاتب وباحث سياسي – أمين سر المركز الدولي للأبحاث السياسية والإقتصادية PEAC
