زيارة البابا إلى لبنان… درس في القيادة ورسالة تتخطى الكلمات

في لحظة وطنية تطغى عليها الأزمات، وتتهاوى فيها المعايير السياسية والأخلاقية، تغدو الحاجة إلى إعادة تعريف السياسة أكثر من ضرورية. لم تعد السياسة ترفًا فكريًا أو مجرد أداة للصراع على النفوذ، بل تحوّلت إلى امتحان يومي للمسؤولية، ومرآة تعكس التزام الإنسان بخدمة مجتمعه وصون كرامة شعبه.

من هنا، جاءت زيارة البابا إلى لبنان لا بوصفها محطة دينية أو بروتوكولية، بل فعلًا قياديًا صامتًا، بلغة الأخلاق لا الخطابة. لقد أعاد البابا رسم ملامح القيادة التي نفتقدها: قيادة لا تعلو على الألم بل تغوص فيه، لا تستعرض السلطة بل تُمارس الخدمة، لا تكتفي بالخطابات بل تنحاز إلى الفعل الصادق. إنها زيارة حملت في جوهرها دعوةً إلى كل مسؤول: أن يتخلّى عن منطق السيطرة، ويتبنّى منطق الرعاية؛ أن يفهم السياسة لا كاحتكار للقرار، بل كعناية بالإنسان.

لم يحتج البابا إلى خطاب عالِ السقف، فقد قال كل شيء بأفعاله. رسم أمامنا، نحن المواطنين قبل القادة، خريطة طريق للقيادة الأخلاقية والفاعلة. ومن هنا كان البابا مثالًا، فقام بزيارة من لم يزرهم أحد. التقى بعائلات ضحايا تفجير مرفأ بيروت، بينما اختار معظم السياسيين الصمت والتجاهل، متفادين حتى اللقاء الرمزي مع من فُجِعوا بأحبّائهم. كما زار مرضى مستشفى الصليب، أولئك المهمّشين الذين يعانون بصمت خارج عدسات الإعلام واهتمامات السلطة. لم تكن تلك الزيارات مجرّد لفتة رمزية، بل حملت في طيّاتها رسالة سياسية بليغة: القائد الحقيقي لا يكتفي بالكلام ولا يتكئ على الزبائنية، بل يذهب إلى حيث الألم، ويقف مع من هم بأمسّ الحاجة إلى الحضور والدعم. وبهذا، وجّه رسالة صامتة لكنها قاطعة إلى الطبقة السياسية اللبنانية: آن الأوان لإعادة المعنى إلى السياسة، بأن يكون الإنسان وكرامته في قلب القرار.

في المقابل، تكشف الممارسة السياسية في لبنان عن نموذج نقيض لما دعا إليه البابا: طبقة حاكمة تمارس السلطة لا خدمةً للناس، بل لتكريس تبعيتهم، عبر ابتداع الحاجات بدل تلبيتها، وربط المواطن بالزعيم بدل تحريره. هكذا تتحوّل السياسة إلى أداة استعباد مقنّع، حيث يُمنح الفرد القليل ليبقى محتاجًا، لا ليُصبح حرًا. وهنا يتجلّى التحدّي الأخلاقي الحقيقي أمام كل سياسي ناشئ أو مسؤول يطمح إلى التغيير: هل تختار أن تكون سيّدًا على الناس، أم خادمًا لهم؟ هل ترى في السياسة وسيلة للهيمنة، أم رسالةً لخدمتهم؟ هذا هو جوهر السياسة كما يجب أن تكون.

أما في بعدها الأوسع، فقد حملت زيارة البابا نداءً واضحًا إلى المسيحيين في لبنان والمنطقة: دوركم ليس في الانكفاء أو الخوف، بل في الحضور الفعّال، كرسل حوار، وفي ترسيخ ذاكرة جماعية جديدة، وجامعين في زمن التفرقة. فالقوة الحقيقية ليست في العدد أو النفوذ، بل في المرجعية الأخلاقية التي يحملها المسيحيون، وفي التزامهم بقيم العدالة، والرحمة، والكرامة الإنسانية. في زمن الانهيارات، لسنا بحاجة إلى سلطة الأقوياء، بل إلى ثبات أصحاب المبادئ. وهذه هي الرسالة التي جاء بها البابا إلى لبنان، قالها من دون أن يصرّح بها، لكنها كانت تنطق في كل خطوة، وكل لقاء.

مقالات الكاتب

جان نمّور

محامٍ لبناني وناشط سياسي، يتمتع بخبرة واسعة في مجال تسوية النزاعات والتحكيم. حاصل على ديبلوم دراسات متخصّصة في المنازعات والتحكيم والطرق البديلة لحلّ النزاعات، ومتخصّص في مجال الوساطة في جامعة القديس يوسف. يعمل كمحكّم معتمد في عدد من القضايا القانونية.

يشغل أيضاً منصب مستشار في السياسات العامة والتشريع، وقد ساهم في إعداد وصياغة عدد من القوانين اللبنانية. له العديد من الدراسات القانونية المنشورة، ويُعرف بمساهماته الفاعلة في تطوير الإطار التشريعي وتعزيز آليات العدالة البديلة في لبنان.