أنا اللامنتمي…
لا لأنني خرجت من الناس، بل لأنني حين دنوتُ منهم رأيتُ ما يتقدّم ملامحهم ويُسمّى وجوهًا، وما يتقدّم أصواتهم ويُسمّى حقيقة، وما يتقدّم حضورهم ويُسمّى يقينًا. فعرفت أن الزيف إذا طال، لا يعود كذبًا واضحًا، بل يصبح أسلوب حياة.
أنا اللامنتمي… لأنني سمعت ما لا يُقال، ورأيت ما لا يُرى، وتعلّمت أن الطريق إلى الإنسان لا يُفتح دائمًا في قلب الجموع، بل أحيانًا في عتمةٍ تُعيد ترتيب البصيرة، لا العين.
أنتمي إلى ما قرأتُ في عيون الفضلاء، لا في ضجيج المجالس.
رأيتهم لا يرفعون أصواتهم، لأنهم لم يحتاجوا إلى إثبات وجودهم.
كان الصمت فيهم أوسع من كل خطاب،
وكانت نظرتهم أعمق من كل تفسير.
ومشوا على الأرض كأنهم يتركون خفّة المعنى لا ثقل الجسد، وكأنهم لا يمرّون في المكان بل يوقظون فيه أثرًا لا يُرى لكنه يبقى. لم يكونوا صورًا تُحفظ، بل حالاتٍ تُفهم ولا تُشرح.
أنتمي إلى عقلٍ يفكر فلا يبحث عن تصفيق، وإلى قلبٍ يحب فلا ينتظر شهادة.
أرى في الفكر قنديلًا لا يحتاج إلى جمهور، وفي المحبة سرًّا إذا أُعلن نقص.
ولست أنتمي إلى جموعٍ تصفق، لأن التصفيق حين يتكرر يفقد دهشته ويصير عادةً تنسى سببها الأول.
ولست أنتمي إلى أصواتٍ تعلو لأنها تخاف أن تُنسى، فتظن أن العلوّ هو الوجود.
فالصمت ليس غيابًا، بل امتلاء لا يحتاج إلى تفسير.
والإنصات ليس فعلًا، بل استعداد لأن يُعاد خلق الداخل.
أنتمي إلى ترابِ بلدٍ أحببته حتى الألم، لا لأنه كامل، بل لأنه يشبه الإنسان حين يبحث عن نفسه ولا يجدها مكتملة في أي مرآة. رأيت فيه شيوخًا كانوا نورًا قبل أن يكونوا أسماء، وأنبياء مرّوا كأنهم معنى لا جسد، ومصلحين حاولوا أن يفتحوا بابًا في جدار الصمت، فصار الباب نفسه سؤالًا جديدًا.
لكنني رأيت أيضًا كيف تتعب المعاني حين يحمّلها الناس أكثر مما تحتمل، وكيف يتحوّل النور حين يُختزل إلى شعار، وكيف تُدفن الحقيقة حين تُكرَّر بلا روح.
فالانتماء الحقيقي ليس اسمًا يُقال، بل أثرٌ يُرى حين يغيب القول.
هو أن تكون مع المبدأ كما تكون الجذور مع الأرض: لا تتكلم، لكنها تُثمر.
أنتمي إلى حقٍّ لا يحتاج إلى صراخ كي يُعرف،
وإلى عدلٍ لا يُقاس بعدد من يرفعون اسمه، بل بعدد من لا يُظلمون باسمه.
ورأيت أن الإنسان حين يبدأ بمحاسبة نفسه، يتوقف عن الحاجة إلى محاكمة العالم، لأن أوسع محكمة هي تلك التي في الداخل، إذا استيقظت لم تترك لأحدٍ مهربًا من نفسه.
ولا أنتمي إلى من يتخذ من التعالي عباءة، ولا إلى من يجعل من المعرفة وسيلة صعود على أكتاف الآخرين، ولا إلى من يرفع اسم المقدّس ليُخفي ظلّ نفسه تحته.
رأيت كلماتٍ تُقال باسم السماء، لكن خطوات أصحابها لم ترتفع عن الأرض، فعرفت أن الخطر ليس في الجهل وحده، بل في وعيٍ بلا ضوء.
أنا اللامنتمي… لأنني حين رأيت الدين يُختزل في شكل، والفكر يُختزل في شعار، والوطن يُختزل في ولاءٍ أعمى، أدركت أن كثيرًا مما يُسمّى انتماءً هو طاعة بلا رؤية، واتباع بلا سؤال.
أنتمي إلى إنسانٍ يسأل قبل أن يحكم، ويصمت قبل أن يدّعي، ويشكّ قبل أن يتيقّن، لأن اليقين الذي لا يمرّ بالشك يشبه نورًا لا ظلّ له، يضيء العين لكنه لا يفتحها.
وربما لهذا السبب أنا لا أنتمي… لأنني كلما اقتربت من الناس رأيت أن الانتماءات الصاخبة تخفي فراغًا من الفهم، وكلما اقتربت من الفكر رأيت أن أعظم العقول أقلّها ادعاءً، وأكثرها انحناءً أمام السؤال.
أنتمي إلى الطريق لا إلى اللافتة، إلى الفكرة لا إلى حاملها، إلى الإنسان لا إلى صورته، إلى الصدق حين يكون موجعًا لا إلى الكذب حين يكون مريحًا، إلى الحقيقة حين تكون عارية لا حين تُلبس لتُحتمل.
فإن سألوني: إلى أين تنتمي؟
قلت: أنتمي إلى ما يجعلني إنسانًا قبل أن يجعلني تابعًا، حرًّا قبل أن يجعلني منتميًا، وبصيرًا قبل أن يجعلني مصفّقًا.
أنا اللامنتمي…
لكنني لا أبحث عن غياب الانتماء، بل عن انتماءٍ لا يطلب مني أن أتخلّى عن عقلي كي أُقبل، ولا عن قلبي كي أُعترف، ولا عن حقي في السؤال كي أُصنّف وفيًّا.
ذلك هو انتمائي الذي لم أجده بعد…
لكنه يسكنني كما يسكن الضوءُ نافذةً لم تُفتح بعد، وكما يسكن الفجرُ ليلًا يعرف أنه سيرحل دون أن يخاصمه، بل دون أن يراه أصلًا.

فاروق خداج
كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني
