يعارض التيار الوطني الحر اليوم الحرب التي خاضها حزب الله مؤخراً دعماً لإيران، وذلك بعد أن بدأ بالتنصّل من الحزب في الحرب السابقة التي شهدت اغتيال أمين عام حزب الله السابق حسن نصرالله. هذا الموقف المفاجئ يطرح تساؤلات جدّية: كيف يحقّ لحزب سياسي كان شريكاً لحزب الله طوال عشرين عاماً أن يتنصّل فجأة من سياسات دفع ثمنها لبنان بأكمله؟ عشرون عاماً من تفاهم مار مخايل، منح خلالها التيار الحزب كل شيء تقريباً، مقابل مكسب وحيد تمثّل في انتخاب ميشال عون رئيساً للجمهورية.
جاء توقيع التفاهم في مرحلة حسّاسة، عقب اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، حين توافق اللبنانيون على خروج الجيش السوري واستعادة السيادة الوطنية. في هذا السياق، اختار التيار الوطني الحر الانحياز إلى قوى 8 آذار، رافعاً شعار «شكراً سوريا»، في مواجهة أغلبية الشعب اللبناني التي تجمّعت في ساحة 14 آذار. لم يكن هذا الخيار مجرّد موقف تكتيكي، بل مثّل التزاماً سياسياً واضحاً بتحالف مع حزب الله، ما يجعل التنصّل الحالي للتيار محلّ تساؤل أخلاقي وسياسي بامتياز.
خلال عشرين عاماً، قدّم التيار الوطني الحر لحزب الله كل الغطاء السياسي والمسيحي المطلوب. فقد ساهم التفاهم في شرعنة سلاح الحزب، ومنحه موقعاً قوياً داخل الدولة اللبنانية، ودعمه في مختلف الاستحقاقات السياسية والنيابية. في المقابل، لم ينل التيار سوى مكسب رمزي تمثّل في انتخاب ميشال عون رئيساً للجمهورية. وكان ميزان القوى والفوائد واضحاً: الحزب استفاد، فيما قدّم التيار كل شيء تقريباً من دون مكافأة حقيقية.
برّر التيار هذا التحالف الطويل بأنه يحمي لبنان من الفتنة الداخلية ويحول دون عزله سياسياً، إلا أن الوقائع أثبتت العكس. فقد أدخلت حرب تموز 2006 لبنان في مواجهة دموية مع إسرائيل، وكادت أحداث 7 أيار أن تنزلق إلى حرب أهلية شاملة. كل ذلك جرى في ظل التفاهم، ما يثبت أن التذرّع بمنع الفتنة لم يكن سوى ذريعة لتبرير الاستمرار في هذا التحالف.
ومن أبرز بنود التفاهم تنظيم العلاقات اللبنانية–السورية، إلا أن حزب الله خرق هذا البند بشكل صارخ من خلال تدخّله العسكري في سوريا دعماً لنظام بشار الأسد، ما ولّد نقمة سورية مستمرة، لا تزال تداعياتها قائمة حتى بعد سقوط النظام. ولم يقتصر التأثير السلبي على سوريا، بل امتدّ إلى دول الخليج العربي، ما أدى إلى عزلة لبنان وتعريض الدولة اللبنانية لمخاطر متزايدة، في وقت واصل فيه الحزب فرض سياساته الإقليمية، متجاهلاً التوافق الوطني المفترض. هذا الاستفراد بالقرارات، ولا سيما في ما يتعلق بالحروب والسياسة الخارجية، يجعل من التفاهم وثيقة لم تحمِ لبنان، بل زادت من هشاشته داخلياً وخارجياً.
كما نصّ التفاهم على محاربة الفساد، غير أن الحزب لم يقف إلى جانب التيار في أي ملف إصلاحي جدّي. كذلك تضمّن إصلاح القضاء كأحد أبرز بنوده، إلا أن الضغوط والترهيب اللذين تعرّض لهما القضاء في ملف انفجار مرفأ بيروت يشكّلان دليلاً واضحاً على الإخلال بهذا الالتزام. والمفارقة أن التيار، المعروف بعدم صبره الطويل على شركائه، استمرّ في تحالفه مع حزب الله لعقدين كاملين، فيما شهدت علاقته مع القوات اللبنانية قطيعة سريعة بعد أول خلاف على ملف الكهرباء، رغم تفاهم معراب الذي مهّد لوصول عون إلى الرئاسة. فكيف صبر التيار كل هذه السنوات على شريك يفرض سياساته ويعرّض لبنان لمخاطر متزايدة؟
اليوم، ومع تعمّق الانقسام بين الدولة والدويلة، وتفاقم الانقسام الشعبي بعد الحرب الإسرائيلية الأخيرة، يتبيّن أن تفاهم مار مخايل لم يمنع اندلاع أي حرب داخلية أو خارجية. بل على العكس، ساهم في تأجيل الصراع، مع تعزيز قوة حزب الله، لتصبح أكثر خطورة في المستقبل. ولم ينجح التفاهم حتى في تأمين الحدّ الأدنى من الحقوق للبنانيين الموجودين في إسرائيل، أو في فتح باب عودتهم إلى وطنهم، ما يعكس فشله في حماية لبنان ومصالح شعبه.
عشرون عاماً من الصمت، عشرون عاماً من التواطؤ، وعشرون عاماً من تحالف سياسي منح حزب الله الغطاء، فيما كانت الدولة اللبنانية تترنّح تحت وطأة اختلالات داخلية وخارجية متراكمة. واليوم، بعد كل ما شهده لبنان من حروب وانقسامات، يبرز السؤال المحوري: هل سيكتفي التيار الوطني الحر بالمعارضة الكلامية، أم سيواجه مسؤولياته التاريخية أمام الشعب اللبناني؟
لن يكون الكلام أو إصدار البيانات كافياً. فاللبنانيون يطالبون بالأفعال، والتاريخ لن يرحم من اختار الصمت طويلاً على حساب مستقبل وطن بأكمله.

شفيق حبيب
ناشط سياسي واجتماعي وناشط سابق في مؤسسة حقوق الإنسان والحق الإنساني.
