في عالمٍ تتشابك فيه السياسة بالإقتصاد، ويتداخل فيه الأمن بالتنمية، غدت الحروب العربية مختبراً لإعادة إنتاج البُنى الاقتصادية والاجتماعية، يعيد خلط الأوراق في أسواق الطاقة والاستثمار والعمالة والتمويل. وهكذا، أصبح اقتصاد الحرب اليوم البوصلة الجديدة التي ترسم معالم الخريطة الإقتصادية العربية في مرحلة ما بعد الانفجار.
من الدمار إلى التكيّف: وجه آخر لإقتصاد الحرب
لم يعد “إقتصاد الحرب” مصطلحاً يقتصر على إنتاج الأسلحة أو التهريب، بل تحوّل إلى منظومة معقّدة من الأنشطة الموازية التي تنشأ في ظلّ الأزمات وتعيد بناء توازنات جديدة في الداخل والخارج.
في غزة، وبعد عامين على الحرب (2023–2025)، تشير تقديرات الأونكتاد والأمم المتحدة إلى أن حجم الخسائر يُقدَّر بنحو 85 مليار دولار، مع تدمير ما بين 80 و90% من البنية التحتية وفقدان أكثر من 200 ألف فرصة عمل، كما يعيش أكثر من 80% من السكان تحت خط الفقر، ما أعاد مسار التنمية في القطاع عقوداً إلى الوراء.
مع ذلك، برزت مفارقة لافتة؛ إذ أفرزت الحرب شبكة إقتصاد موازٍ تشكّلت حول المساعدات الدولية وجهود إعادة الإعمار، لتتحوّل الشركات المرتبطة بالمنظمات الإنسانية إلى محرك رئيسي للنشاط الإقتصادي في القطاع.
من جهته، شهد إقتصاد السودان انكماشاً حاداً بنسبة 12% عام 2023 حسب تقرير البنك الدولي بسبب الحرب وتدمير البنية التحتية ونزوح الملايين، بخسائر تجاوزت 60 مليار دولار. ورغم استمرار التراجع في 2024، تشير تقديرات 2025 إلى انكماش طفيف مع احتمال تعافٍ محدود إذا تحقق الإستقرار. في المقابل، ازدهر إقتصاد الظل وشبكات التجارة غير الرسمية، خاصة في الذهب والسلع، لتصبح مصدر تمويل رئيسي للفصائل المتنازعة، ما يعكس تحول النزاع إلى أداة لإعادة توزيع النفوذ الاقتصادي.
تحوّل البنية الإنتاجية: من الصناعة إلى الخدمات الهشّة
أحد أبرز التحولات البنيوية التي أنتجها إقتصاد الحرب هو تفكّك القطاع الصناعي والإنتاجي في معظم الدول العربية المتأثرة بالصراعات، مقابل تضخم قطاعات الخدمات الهشّة والتجارة غير الرسمية.
في سوريا، انخفضت مساهمة الصناعة في الناتج المحلي من 22% عام 2010 إلى أقل من 9% عام 2024، فيما ارتفعت نسبة الإقتصاد غير الرسمي إلى أكثر من 65% وفق تقديرات الإسكوا.
أما في لبنان، فقد أدّت الأزمات المركّبة – من الإنهيار المالي إلى التوترات الحدودية – إلى تآكل ما تبقّى من الإنتاج الحقيقي، إذ تقلّص الناتج المحلي من 55 مليار دولار عام 2018 إلى نحو 18 مليار دولار عام 2024، بينما يشكّل القطاع الموازي أكثر من نصف النشاط الإقتصادي.
هذه التحولات البنيوية لا تعبّر فقط عن هشاشة الأنظمة الإنتاجية، بل عن تغيّر طبيعة الفاعلين الإقتصاديين: فبدل الدولة والقطاع الخاص المنظّم، باتت الساحة مزدحمة بـ”الوسطاء الجدد” من الميليشيات وشبكات النفوذ، الذين يمسكون بمفاصل التجارة والتمويل والموارد.
التحولات الجيو-إقتصادية: شرق عربي جديد على خط النار
تتحرك الخريطة الإقتصادية العربية اليوم على وقع إعادة الإصطفاف الدولي والإقليمي. فالحروب المتتالية جعلت من المنطقة ميداناً للمنافسة بين القوى الكبرى على الموارد والطاقة والممرات الإستراتيجية.
لقد أعادت حرب غزة خلط أوراق الإقتصاد الإقليمي عبر ثلاثة مسارات رئيسية:
- مسار الطاقة: تصاعد أهمية شرق المتوسط كمصدر للغاز البديل لأوروبا، وسط محاولات إسرائيلية ومصرية وقبرصية لإعادة تشكيل خريطة التصدير.
- مسار الأمن البحري: ازدياد تهديدات الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب نتيجة هجمات الحوثيين، ما دفع الولايات المتحدة وبريطانيا إلى نشر قوات لحماية طرق التجارة، مؤثرين بذلك على تكلفة النقل والتأمين.
- مسار التمويل والإعمار: تحرّك خليجي ملحوظ لإعادة بناء مناطق النزاع، لكن بشروط إقتصادية وسياسية دقيقة تجعل الإعمار أداة لإعادة توزيع النفوذ.
تقدّر الإسكوا أنّ الكلفة الإجمالية لإعادة إعمار الدول العربية المتأثرة بالنزاعات (سوريا، اليمن، ليبيا، فلسطين، السودان) ستتجاوز 1 تريليون دولار خلال العقد المقبل، ما يعني أنّ من يموّل الإعمار سيملك أيضاً حقّ توجيه الإقتصاد العربي القادم.
الإقتصاد الموازي والتمويل غير النظامي: الوجه الخفي للمرونة
الحروب لم تدمّر الإقتصاد العربي فحسب، بل أعادت تشكيله خارج النظام الرسمي.
في لبنان وسوريا واليمن، تشكّل التحويلات النقدية والمساعدات والتهريب أكثر من 40% من تدفقات العملة الصعبة، وفق تقرير البنك الدولي (2024). كما أن إقتصادات الظل باتت تؤمّن فرص العمل الرئيسية في غياب الدولة.
تقديرات IMF تشير إلى أن حجم الإقتصاد غير الرسمي في المنطقة العربية تجاوز 27% من الناتج المحلي الإجمالي العربي عام 2024، أي ما يقارب 900 مليار دولار من الأنشطة التي لا تدخل في حسابات الدولة.
لكن هذه “المرونة المظلمة” لا تخلو من الأثمان: إذ تُضعف القاعدة الضريبية، وتعمّق اللامساواة، وتحوّل الثروة إلى أيدي من يملكون السلاح أو النفوذ.
إعادة توزيع مراكز القوة الاقتصادية
في ظل هذه التحولات، تتشكّل طبقة إقتصادية جديدة في العالم العربي، لا ترتبط بالإنتاج بل بالتحكم في الموارد أثناء الحرب وبعدها.
في سوريا واليمن وليبيا، ارتبطت شبكات رجال الأعمال الجدد بسلطات الأمر الواقع، بينما في لبنان والعراق، تماهى الإقتصاد الموازي مع منظومات الولاء السياسي والطائفي.
تقرير Transparency International لعام 2025 أشار إلى أن الفساد المقنّن عبر الحرب أصبح أحد أهم آليات إعادة إنتاج السلطة الإقتصادية في المنطقة، حيث تُستخدم شبكات الإعمار والعقود والمساعدات لتثبيت موازين القوى.
من الدولة الريعية إلى الدولة الأمنية الاقتصادية
من أخطر التحولات البنيوية التي أفرزتها الحروب هو تحوّل الدولة من دولة راعية إلى دولة أمنية اقتصادية، تُدار فيها الموارد تحت منطق السيطرة والحماية لا التنمية.
في هذا السياق، تصبح السياسة النقدية والمالية أدوات ضبط إجتماعي أكثر منها أدوات استقرار إقتصادي.
ففي لبنان مثلاً، يعتمد مصرف لبنان منذ 2020 على إدارة نقدية إستثنائية للسيولة بالدولار والنقد، في ظل غياب كامل للسياسات التنموية، بينما في مصر توسّع الجيش في السيطرة على القطاعات الإنتاجية.
هذه الظاهرة ليست عَرَضية، بل تعبّر عن تغيّر عميق في مفهوم الدولة العربية نفسها: من دولة الرعاية إلى دولة البقاء.
التحول نحو إقتصاد البقاء المكتفي ذاتياً
رغم قتامة المشهد، إلا أن بعض الدول بدأت تستثمر في التحول نحو إقتصاد المرونة.
في الأردن، تتزايد مشاريع الأمن الغذائي والطاقة المتجددة لتقليل التبعية الإقليمية.
في العراق، برزت خطة لإعادة بناء البنية التحتية للنفط والزراعة بالتعاون مع الصين.
في المغرب، تُعدّ تجربة التصنيع الدفاعي وتوسيع الطاقة الخضراء نموذجاً لإقتصاد ما بعد الأزمات.
هذه التجارب تعبّر عن إدراك متزايد بأنّ الأمن الإقتصادي هو خط الدفاع الأول في عالم متحوّل.
التحول في العلاقات العربية – الدولية
التحولات الإقتصادية الناتجة عن الحروب تدفع المنطقة نحو تنويع الشراكات الإقتصادية.
لم تعد واشنطن هي الشريك التجاري الأول للدول العربية، بل حلّت الصين في المرتبة الأولى بنسبة تبادل تتجاوز 440 مليار دولار سنوياً (2024)، وفق UN Comtrade.
كما تتجه دول الخليج للإستثمار في الممرات الإقتصادية الجديدة (الهند – الخليج – أوروبا)، وهو مشروع يُتوقّع أن يغيّر خريطة النقل والطاقة والتجارة.
لكن هذا التنويع لا يخلو من تناقضات: فكل اصطفاف إقتصادي جديد يعني أيضاً اصطفافاً سياسياً وأمنياً يعيد صياغة موازين المنطقة.
خريطة عربية على صفيح متحرّك
إنّ إقتصاد الحرب العربي ليس مجرد نتيجة عرضية للصراعات، بل أصبح المحرّك البنيوي لتغيّر الأنظمة الإقتصادية والسياسية.
فالحروب أعادت تعريف الثروة، وغيّرت طبيعة الفاعلين، وأنتجت بنية إقتصادية هجينة تجمع بين الدولة والسوق والميليشيا والمنظمات.
في هذا المشهد المتشظّي، تتحوّل الخريطة الإقتصادية العربية إلى لوحة متحرّكة تتقاطع فيها مشاريع الإعمار مع النفوذ السياسي، ويتعايش فيها إقتصاد الظل مع السياسات النقدية الرسمية، في معادلةٍ يصعب ضبطها لكنها تكشف بوضوح أن الإقتصاد العربي يعيد بناء نفسه من تحت الرماد.
لقد دخل العالم العربي مرحلة جديدة حيث لم تعد التنمية مسألة خطط خمسية، بل استراتيجية بقاء في زمن التحولات البنيوية الكبرى، وأن من يمتلك القدرة على تحويل الأزمات إلى فرص، هو من سيرسم حدود الإقتصاد العربي القادم.

هنا وليد عرابي
كاتبة وباحثة متخصصة بالإقتصاد الموازي والسياسات العامة وقضايا التنمية. حائزة على دكتوراه في العلوم السياسية والإدارية والإقتصادية.
