الحرب تدخل أسبوعها الثالث: 10 كُلف مباشرة وغير مباشرة (عن الصحافة الغربية)

بعد ما يقارب أسبوعين على اندلاعها، باتت كُلف حرب إيران تفوق بكثير أي فوائد محتملة لها. والخلاصة واضحة: هذه حرب اختيارية كانت في غير محلّها. ويعزّز هذا التقييم تعداد عشرة من الكُلف المباشرة وغير المباشرة الآتية:

  1. إضعاف القاعدة العالمية المناهضة للحرب الوقائية: إن الحرب الوقائية هي استخدام القوة العسكرية لقطع الطريق على تطوّر تهديد عسكري آخذ في التشكّل، وهي تختلف عن الضربة الاستباقية التي تُنفَّذ ضد تهديد وشيك. فالضربات الاستباقية تُعدّ على نطاق واسع شكلاً مشروعاً من أشكال الدفاع عن النفس، في حين لا تحظى الحروب الوقائية بالشرعية. فعالم تسوده الحروب الوقائية سيكون عالماً غارقاً في نزاعات متكررة.
  2. تسليط الضوء على كلفة التحالف مع الولايات المتحدة التي باتت أكثر ميلاً إلى الانفراد بالقرار: تشهد دول الخليج اضطراباً شديداً في اقتصاداتها وفي حياة مواطنيها. وينطبق الأمر ذاته على حلفاء آسيويين وأوروبيين يتلمّسون الآثار الاقتصادية لارتفاع أسعار الطاقة إلى جانب الرسوم الجمركية. ويزيد غياب التشاور قبل اندلاع الحرب من تفاقم هذه الكلفة.
  3. مكسب لفلاديمير بوتين وروسيا: تستنزف الحرب الذخائر الأميركية، ولا سيما أنظمة الدفاع الجوي، بوتيرة سريعة، وتبرز في الوقت نفسه حقيقة أن مساعدة أوكرانيا على الدفاع عن نفسها ليست أولوية لدى هذه الإدارة. كما تستفيد روسيا من ارتفاع أسعار الطاقة ومن تخفيف القيود المفروضة على صادراتها في هذا المجال.
  4. وللصين: نجحت الصين إلى حدّ بعيد في تحصين نفسها من أي نقص في النفط، وتستفيد بدورها من استهلاك الذخائر الأميركية التي كان يمكن أن تُخصَّص لتايوان أو تحتاجها القوات الأميركية في حال اندلاع نزاع مع بكين. كما أن سحب أنظمة الدفاع الجوي «ثاد» من كوريا الجنوبية، التي ضغطت الصين لسنوات من أجل التخلي عنها، يوضح حجم المكاسب الاستراتيجية التي تجنيها الأخيرة.
  5. احتمال تحفيز الدول إلى امتلاك أسلحة نووية: فإيران، كما كان حال أوكرانيا وليبيا والعراق وفنزويلا، تشكّل مثالاً جديداً لدولة غير نووية تتعرض لهجوم، في حين أفلتت كوريا الشمالية من مصير مماثل. ومن المؤكد أن هذه الحرب تعزّز الرغبة داخل إيران في امتلاك السلاح النووي.
  6. تعقيد مستقبل المفاوضات: انفجرت الحرب في وقت كانت فيه المباحثات جارية، تماماً كما حصل عندما تقرّر شنّ هجمات على ثلاث منشآت نووية إيرانية في حزيران/يونيو الماضي رغم التخطيط لجولة تفاوضية جديدة.
  7. إضعاف القاعدة المناهضة للاغتيال السياسي كأداة من أدوات الأمن القومي: صحيح أن استهداف مراكز القيادة والسيطرة لا يُعدّ حرفياً اغتيالاً، إلا أن محاولات «قطع الرأس» التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد قيادة إيران هي، في جوهرها، ما تبدو عليه. ومن مخاطر هذه الهجمات، إضافة إلى تقويض قدرة الطرف الآخر على ضبط الاستخدام غير المصرّح به للقوة العسكرية وعلى إدارة التفاوض، أنها تشجّع على استهداف مواطنين أميركيين، سواء كانوا مسؤولين منتخبين أو دبلوماسيين أو عسكريين أو قادة أعمال.
  8. كلفة بشرية باهظة: حتى الآن، قُتل سبعة من العسكريين والعسكريات الأميركيين، وأُصيب أكثر من مئة. وسترتفع هذه الكلفة بشكل كبير إذا قرر الرئيس نشر قوات برية. يضاف إلى ذلك سقوط مدنيين في إيران ودول أخرى.
  9. واقتصادية: في هذه الحالة، نشهد ارتفاعاً في أسعار الطاقة والغذاء، وتجدد الضغوط التضخمية، وتباطؤاً في النمو الاقتصادي. فكثير من الشركات لم يعد أمامها خيار سوى تعليق قرارات كبرى. كما بات مستقبل مراكز البيانات في المنطقة موضع تساؤل. يُضاف إلى ذلك عبء التكاليف المرتبطة بتصاعد النشاط العسكري، إذ تتراوح الكلفة حتى الآن بين 10 و20 مليار دولار، ومن المرجح أن ترتفع بنحو مليار دولار يومياً إذا استمر هذا المسار.
  10. تعزيز النزعة الانعزالية داخل الولايات المتحدة: وهي نزعة قائمة أصلاً إلى حدّ كبير نتيجة تجربتي العراق وأفغانستان. غير أن هذه الحرب، غير الشعبية أساساً، ستزيد من حدّتها مع تزايد القناعة بأن كلفتها تفوق فوائدها، في وقت يرغب فيه كثير من الأميركيين بأن يركّز الرئيس على كلفة المعيشة وسائر القضايا الداخلية.

إن النقاش حول صوابية إطلاق هذه الحرب نقاش مشروع، لكنه يجب أن يُؤجَّل في الوقت الراهن. فالسؤالان الملحّان هما: هل ينبغي إنهاؤها؟ وكيف يمكن إنهاؤها؟

من حيث المبدأ، ثمة سببان للاستمرار في الهجمات المسلحة على إيران. الأول هو أن استمرار الضربات سيُضعف القدرات العسكرية الإيرانية أكثر. غير أنه لن يقضي عليها، ولا سيما أنه لن يمنع إيران من إعادة بنائها. وفي المقابل، ستواصل إيران مهاجمة جيرانها وجعل مضيق هرمز غير صالح للملاحة. وكلما طال أمد الحرب، مال ميزان الكلفة والفائدة أكثر فأكثر لمصلحة الكلفة.

أما السبب الثاني الذي يُساق لتبرير استمرار الحرب، فهو احتمال أن تؤدي إلى تغيير في النظام، أو على الأقل إلى «تعديل في النظام»، أي بروز قيادة أقل أيديولوجية وأكثر براغماتية تركّز على تنمية إيران بدل زعزعة استقرار المنطقة. قد يكون هذا السيناريو مرغوباً، لكنه يفتقر إلى أي عملية عسكرية قابلة للتنفيذ لتحقيقه. إنه في الواقع أمل لا استراتيجية. وفي الأثناء، ستتراكم الكُلف المباشرة وغير المباشرة للحرب.

فحتى الرئيس نفسه يبدو أنه بدأ يقتنع بضرورة إنهاء هذه الحرب. إذ تبيّن أن أكثر آليات الضبط والتوازن فاعلية في النظام السياسي الأميركي اليوم لا تتمثل في الكونغرس أو المحاكم، بل في الأسواق واستطلاعات الرأي. ويبقى التحدي هو الكيفية، إذ إن الولايات المتحدة، رغم أنها بادرت وحدها إلى إشعال هذا النزاع، تحتاج إلى موافقة كلٍّ من إسرائيل وإيران لوقفه.

من جهتها، ترغب إسرائيل في مواصلة الحرب لإضعاف إيران وربما دفعها نحو تغيير في قيادتها. غير أن آفاق هذه السياسة غير مؤكدة، ومن المرجّح أن تزيد من كلفة الحرب، لا سيما أن النظام الإيراني الحالي يعتبر نفسه في معركة وجودية وسيبذل كل ما في وسعه للبقاء. والأهم أن مصالح إسرائيل أضيق من مصالح الولايات المتحدة. ومع ذلك، يبرز خيار سياسي قابل للتطبيق: فدونالد ترامب، بحكم مكانته في إسرائيل، قادر على ممارسة ضغط على رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، الذي لا يستطيع تحمّل خسارة دعم ترامب قبيل الانتخابات الإسرائيلية، لدفعه إلى وقف الحرب. لكن يبقى السؤال: هل ترامب مستعد لفعل ذلك؟

أما إيران، فهي المتغيّر الأكثر تعقيداً. فهي ترغب في الرد، وبعدما تكبّدت خسائر جسيمة، قد تعتقد، ولها في ذلك بعض المبرر، أن الولايات المتحدة ستتضرر من حرب طويلة أكثر مما ستتضرر هي. وقد يرى القادة الإيرانيون أيضاً أن النفور الأميركي من حرب طويلة يمنحهم أوراق قوة في أي تفاوض رسمي أو غير رسمي لإنهاء الحرب. في الوقت نفسه، لدى القيادة الإيرانية مصلحة في ترسيخ سلطتها وبدء مسار طويل لإعادة الإعمار واستعادة النمو الاقتصادي، وهو أمر أساسي لمنع اتساع رقعة المعارضة الداخلية.

بدورها، تحتاج الولايات المتحدة إلى نتيجة تتيح استئناف الملاحة البحرية، وتضع حداً لهجمات إيران على جيرانها، وتمنعها من امتلاك سلاح نووي. لكن من غير المرجّح تحقيق هذه الأهداف عبر القوة العسكرية. فالهدف النووي يتطلّب اتفاقاً تفاوضياً يفرض سقفاً للمواد والمعدات النووية، مقروناً بآلية تفتيش فعّالة. وعليه، حان الوقت لإحياء الدبلوماسية.

في مقابل موافقة إيران على أهداف من هذا القبيل، يمكن إعلان وقف الهجمات المسلحة وتخفيف بعض العقوبات. ويمكن رفع عقوبات إضافية إذا أبدت إيران استعداداً لخفض إنتاج الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، وتقليص دعمها للوكلاء، وتحسين أوضاع سكانها. ويمكن مقاربة ذلك على مرحلتين: تهدئة أولية أو وقف لإطلاق النار، تليها اتفاقية ذات طابع رسمي أكثر.

هذا السيناريو ليس خالياً من العيوب، لكنه بالتأكيد أفضل من بدائل الحرب أو التعويل على تغيير النظام. أما الاكتفاء بإعلان «إنجاز المهمة» والانسحاب، فسيؤدي إلى استمرار الحرب والاضطراب الاقتصادي. يُضاف إلى ذلك أن اللجوء إلى عمليات عسكرية دورية، أو ما يُسمّى بـ«جزّ العشب»، وهو تعبير بغيض يتكرر أحياناً في إسرائيل والولايات المتحدة، سيعني أن الملاحة لن تُستأنف، وأن الاستثمار في دول الخليج سيتوقف عملياً. ويتبيّن في النهاية أن مفاوضات شبيهة بتلك التي سبقت الحرب هي على الأرجح الوسيلة الأفضل، وربما الوحيدة، لإنهائها.

 

ترجمة بتصرف
بقلم / ريتشارد هاس – الرئيس الفخري لمجلس العلاقات الخارجية

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.