القصة الحقيقية ليست في الـ1%.
القصة الحقيقية هي منظومة الـ99% التي حكمت الاقتصاد لعقود.
لم يكن هناك أصلًا نظام قادر على البناء.
لسنوات طويلة، ما بدا وكأنه اقتصاد، كان قائمًا على تدوير الديون، والهندسات المالية، وتدفّقات الأموال، وتبييض الأموال، وشبكات الحماية السياسية، لا على الإنتاج، ولا على الابتكار، ولا على مؤسسات قوية وشفافة.
الدَّين العام تجاوز 170% من الناتج المحلي.
الاقتصاد تقلّص بأكثر من 40%.
الليرة فقدت أكثر من 90% من قيمتها.
الودائع جُمِّدت عمليًا، وسُرِق أو تبخّر جزء كبير من قيمتها الحقيقية.
الانهيار لم يُدمّر نظامًا سليمًا، بل كشف أن نظامًا حقيقيًا لم يكن قد بُني أصلًا.
على مدى سنوات، جرى تمويل العجز عبر استدانة متكرّرة لتسديد استدانة سابقة، أي إعاقة مالية ممنهجة؛ هندسات مالية معقّدة لإبقاء وهم الاستقرار؛ تقارير مالية غير شفافة؛ غياب التدقيق والمحاسبة الحقيقية؛ وتوسّع اقتصاد غير رسمي يشمل التهريب والتجارة غير المشروعة.
لكن هذا النظام لم يعمل وحده، ولم يسقط من السماء. لقد جرى تجديده انتخابيًا مرارًا، بشعارات الدم والروح.
نفس القوى السياسية التي أدارت الدولة خلال سنوات تضخّم الدَّين العام، وغياب الشفافية، وحماية شبكات المصالح، وانعدام المساءلة في الصفقات العامة، وتهريب الأموال بعد بداية الأزمة، أُعيد انتخابها في أكثر من دورة، وستُعاد تزكيتها أو تمديدها.
التصويت ليس فعلًا عاطفيًا فقط، بل هو قرار اقتصادي طويل الأمد.
إذا لم يختر المواطنون قيادات قادرة على البناء، وإذا فُضِّل الولاء على الكفاءة، وإذا كوفئ الفاشل وأُقصي الناجح، وإذا لم تُدفَع الضرائب ولا فواتير الكهرباء ولا الرسوم العامة، فمن أين ستأتي أموال الدولة؟
الدولة لا تملك مصدرًا سحريًا للتمويل. إمّا اقتصاد منتج يولّد دخلًا تُفرض عليه ضرائب عادلة. أو ديون تتراكم حتى الانهيار. أو طباعة عملة تُدمّر القدرة الشرائية.
لا يمكن المطالبة بخدمات مستقرة، وكهرباء دائمة، وبنية تحتية حديثة، ورواتب لقطاع عام، وأمن وقضاء، من دون نظام تمويلي واضح ومستدام.
المعادلة بسيطة: قيادة تبني، واقتصاد ينتج، ومواطن يلتزم، تعني دولة مستقرة.
أمّا قيادة غيبية تعيد تدوير الأزمات، واقتصاد غير منتج، وتهرّب من الالتزامات، فتعني انهيارًا متكررًا.
الضرائب ليست أصل المشكلة. المشكلة هي غياب البناء، وغياب المساءلة، وغياب التوافق على عقد اجتماعي واضح.
قبل أن نسأل إن كانت نسبة الـ1% مرتفعة، علينا أن نسأل: هل نريد فعلًا دولة، أم تقديس الفاشلين؟ أم نريد الاعتراض على النتائج من دون تغيير الأسباب؟
من دون بناء حقيقي، سيبقى أي رقم، حتى لو كان 1%، يبدو عبئًا أكبر من حجمه.

مو حيدر
الرئيس التنفيذي للشؤون المالية في شركة ديالكسا سابقاً.
