لا يمكن حصر الضربة الإسرائيلية التي وقعت قبل ساعات في حارة حريك ضمن سياق المواجهة المستمرة مع حزب الله. التوقيت وحده، يوم الأحد، والعائلات في منازلها تستعد لأسبوع جديد، يكفي ليكشف طبيعة العدو الذي نتعامل معه: عدو لا يؤمن بحوار ولا يعرف لغة سوى الإيذاء والضغط النفسي، ويختار اللحظات الأكثر هشاشة لاستعادة سياسة الترهيب التي خبرها اللبنانيون منذ عقود.
لكن ما هو أبعد من المشهد الآني أنّ كل الضربات التي شنّتها إسرائيل حتى اليوم، أثبتت بالدليل القاطع أنّ السلاح لا يُنتزع بالقوة، ولا يزال بعيداً عن أي إمكانية لفرض وقائع عسكرية جديدة. كل صاروخ يسقط وكل منزل يُدمّر يعمّق شعور البيئة الشيعية، وبيئة حزب الله تحديداً، بأنّها مستهدفة لكونها هي، لا لكونها تحارب. وهذه المعادلة، بحسابات الداخل اللبناني، تعزز التعاطف ولا تضعفه، وتشدّ العصب ولا تشتته، وتغذي رواية «التهديد الوجودي» التي تُعدّ أحد أقوى عناصر قوة الحزب شعبياً.
في ظل هذا الواقع يفرض سؤال جوهري نفسه: هل نحن أمام تَقارُب داخلي ـ خارجي يغذّي الأهداف الإسرائيلية؟
الإجابة ليست سهلة، لكنها ليست غامضة أيضاً. فما يجري يوحي بأنّ هناك من يراهن محلياً على إضعاف الحزب عبر الضغط العسكري الخارجي، في لحظة سياسية حرجة يمر بها لبنان على أبواب موسم الأعياد، والانتخابات. أي إنّ الضربة ليست عسكرية فحسب، بل اقتصادية وسياسية ونفسية، تُراد بها إعادة فتح مسارب الفوضى وإبقاء لبنان في حالة «اللا استقرار الدائم».
لكن المشكلة الأساسية ليست هنا، بل في مكان آخر: من يراهن على إسرائيل لتنفيذ أجندة داخلية، إنما يشرّع لها التدخل في سيادة لبنان، ويمنحها حجّة جديدة لمواصلة اعتداءاتها، ويعمّق الأزمة بدل أن يساهم في حلّها.
نعم لنزع سلاح حزب الله. لكن هل نملك خطة داخلية ـ وطنية قادرة على ذلك؟ حتى اللحظة، الجواب هو: لا. الخطط الغائبة، والرؤية المفقودة، والبدائل غير المطروحة… كلها عناصر تجعل أي نقاش في هذا الملف أشبه بشعارات لن تؤدي إلا إلى مزيد من الانقسام.
الحقيقة البديهية التي يرفض كثيرون الاعتراف بها هي أنّ نزع سلاح حزب الله لا يمكن أن يتم إلا عبر خطة شاملة مكتملة الشروط، داخلية أولاً، ومدعومة بضمانات تمنع إسرائيل من استغلال المرحلة الانتقالية. خطة تُنظّم مستقبل مقاتلي الحزب، وتفتح طرقاً اقتصادية ـ اجتماعية بديلة، وتحدد بوضوح دور الدولة وأجهزتها، وتضع سقفاً زمنياً واضحاً، وتؤسس لمنظومة أمن دفاعية وطنية قادرة على الحماية.
أما الرهان على القصف أو العقوبات أو الضغوط الخارجية فثبت أنه رهان خاسر، يعيد إنتاج التوتر ولا يبدّد فائض القوة بل يضاعفه عبر تعزيز التأييد الشعبي للحزب.
وبالتالي، إذا كان السلاح لا يُنزع بالقوة، وإذا كانت إسرائيل تدرك مسبقاً أن ضرباتها لن تغيّر المعادلة، فما الهدف الحقيقي إذاً؟ السؤال يفتح الباب أمام فرضية واضحة: ضرب موسم الأعياد، «تطيير» الانتخابات، تعطيل الانتعاش الاقتصادي الخجول، طرد الاستثمارات، وضرب السياحة… أي إعادة لبنان إلى نقطة الانكسار.
وهنا يصبح التطابق بين أهداف إسرائيل وبعض الداخل ـ عن قصد أو عن جهل ـ أمراً يدعو إلى القلق، إذ يبدو أن هناك من لا يريد للبنان أن يقف على قدميه، ولا أن يستعيد مؤسساته، ولا أن ينتقل إلى مرحلة استقرار تتيح مقاربة ملف السلاح بهدوء وبوطنية.
على أمل أن يكون ما حصل اليوم تذكيراً جديداً بأنّ بناء الدولة يبدأ من الداخل، وأنّ أي تسوية كبرى في لبنان لا يمكن أن تُكتب لها الحياة إلا إذا كانت لبنانية بالكامل، رؤيةً وتنفيذاً وضمانات.

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
