النضج هو نقطة التقاء الشجاعة بالاعتبار: فالشجاعة حين تنفصل عن الاعتبار ليست بطولة، بل عمى؛ هي السير أعمى فوق تلٍّ دون أن يرى ما ينتظر خلفه. والاعتبار حين ينفصل عن الشجاعة ليس حكمة، بل تلاشيًا؛ هو فقدان بطيء للهوية، واختيار الصمت خوفًا من الوقوف.
النضج هو معرفة متى نتقدّم، ومتى نتوقّف. هو القدرة على الفعل بوعي، لا بدافع الغضب ولا تحت وهم اليقين. وهذا التوازن ذاته هو ما يميّز الضجيج عن الحكمة.
ما الحكمة فعلًا؟ الحكمة ليست معرفة الحقائق، فذلك علم. وليست سرعة الفهم أو الذكاء، فذلك ذكاء.
الحكمة أندر وأصعب. هي القدرة على رؤية الأمور بوضوح، واتخاذ القرار الصائب. وهي مزيج من عناصر تعمل معًا:
- فهم الواقع كما هو، لا كما نرغب أن يكون.
- حكم نابع من تجربة حقيقية، تشمل أخطاء تعلّمنا منها فعلًا.
- تقديم المنظور على الأنا، ورؤية المسار الطويل لا انتصار اللحظة.
- أساس أخلاقي يهتم بالعواقب، لا بالشعارات.
الحكمة هي شجاعة بلا تهوّر وضبط نفس بلا خوف. واليوم، يقف لبنان عند لحظة يصبح فيها غياب الحكمة خطرًا وجوديًا.
ذروة القوة، ونقطة التحوّل
ذروة قوة لبنان تحقّقت عام 2000. كانت تلك اللحظة مكتملة الشروط: قوة، وإجماع، وهدف واضح، ونتيجة ملموسة.
ما بعدها لم يكن تراكمًا للقوة بل انتقالًا تدريجيًا إلى شجاعة بلا اعتبار، وفعل بلا أفق، واستمرار بلا حكمة.
أي قوة لا تعرف متى تتوقّف تبدأ بتآكل نفسها وتحوّل إنجازها إلى عبء. وثمن هذا المسار لم يُدفع نظريًا، بل دُفع جنوبًا، ثم دُفع وطنيًا في الأرواح، والبيوت، والاقتصاد، والاستقرار.
لا للحرب. لماذا؟
لبنان لا يملك رفاهية إعلان الحرب على أحد. ليس لأن شعبه ضعيف بل لأن الواقع واضح: فلبنان بلد منهك بل مفلس اقتصاديًا، مؤسساته هشّة، ونسيجه الاجتماعي لا يحتمل صدمة وجودية جديدة.
الحروب بعد عام 2000 لم تعد تحمي لبنان بل حمّلته أثمانًا أكبر من قدرته على الدفع. والأخطر أن قرار الحرب لم يكن يومًا لبنانيًا خالصًا، ولا نتائجها كانت لبنانية.
لماذا لا يكون لبنان جزءًا من مشروع الآخرين؟ لبنان ليس ساحة، ولا خط تماس، ولا ورقة تفاوض. إن أي علاقة مع أي دولة، إيران أو غيرها، يجب أن تقوم على مصلحة اللبناني أولًا. فالانخراط الكامل في محور خارجي يعني نقل قرار الحرب والسلم خارج الدولة وتحويل البلد إلى ساحة تصفية حسابات. لبنان لا يحتمل أن يكون رأس حربة ولا ذيل مشروع.
لماذا عليه أن يكون من أوائل من يختارون السلام؟
في عالم يضم أكثر من 1.6 مليار مسلم ودولًا عربية تملك الثروات والجيوش والعمق الاستراتيجي، كيف يصبح الجنوب اللبناني (قرى صغيرة، أرض محدودة، وشعب محاصر) هو من يتحمّل العبء الأكبر؟
أن يكون لبنان آخر من يذهب إلى السلام يعني أنه يقاتل عن الجميع، ويدفع الثمن وحده.
هذا ليس شرفًا بل استنزافًا.
الحكمة تقول العكس: لبنان، بضعفه النسبي وتعدّده وهشاشته، يجب أن يكون من أوائل من يختارون السلام لا آخر من يُدفَع إلى الحرب.
رفض رؤية هذه الحقائق لا يجعل لبنان قويًا بل يجعله ورقة في يد الجميع، إلا في يد شعبه.
لبنان لا يجب أن يكون ورقة حرب بل ورقة حياة لمواطنيه.
لا أعرف إن كان الوقت قد فات. ولا أعرف أيضًا إن كنت، ومتى، سأستيقظ على خبر حرب مُفتعلة كُتبت عناوينها قبل أن نُستشار، وفُرضت علينا قبل أن نختار.
لا أعرف إن كان قطار الأمل قد مرّ، أو إن كنّا متعبين أكثر من أن نركض نحوه إن عاد.
لكنني أعرف ما يلي: البديل عن المحاولة ليس الأمان، بل الزوال البطيء.
وإن بقي أمل ما فلن يأتي من حرب جديدة بل من قرار الناس أن يقاتلوا. لا من أجل الجميع بل من أجل حياتهم هم.
ربما لم يفت الأوان بعد وربما هذه آخر فرصة لنختار الحياة ولنختار الاقتصاد. فالاقتصاد القوي المبني على التعاون والانفتاح مع العالم هو الذي يفرض السلام. والاقتصاد الحقيقي اليوم
هو الذكاء الاصطناعي. ليس كشعار، بل كقدرة سيادية.
فالذكاء الاصطناعي الحقيقي ليس أفكارًا ولا منصّات فارغة، بل قوة وتطبيق. قوة تُترجم إلى إنتاج، وتطبيق يُترجم إلى وظائف، وسيادة تُترجم إلى استقلال قرار.
وهذا لا يُبنى بالعزلة ولا بالخطاب ولا بالاصطفاف في حروب الآخرين، بل يُبنى عبر: شبكات صحيحة ووصول حقيقي إلى الأسواق والتقنية، إضافة إلى شراكات ذكية واستثمار في الإنسان قبل السلاح
توضيح ضروري: أي سلام نقصد؟
ما أقصده هنا ليس اتفاقات السلام القائمة اليوم، ولا التفاهمات المكتوبة بين متطرفين وانتهازيين تُصاغ على عجل، وتُدار بمنطق الغلبة لا العدالة، وتُترك بعدها الشعوب لتفاوض نفسها بنفسها. ذلك ليس سلامًا، بل إدارة مؤقتة للصراع.
السلام الذي أعنيه هو سلام يكتبه الناس المعتدلون، ويُبنى بعقل بارد وأخلاق واضحة. سلام يصبح قوة جاذبة تسحب نحوها المعتدلين في كل مكان. هذا هو السلام الحقيقي، السلام الذي لا يُفرض، بل يُقتدى به. وهذا وحده ما يسمح للبنان أن يستعيد حقه في كتابة النص، لا الاكتفاء بتمثيل أدوار كُتبت له.
أما ما نراه اليوم من اتفاقات سلام أو اتفاقات حرب، فهي في جوهرها ترتيبات تجعل لبنان يفاوض نفسه ضد نفسه، ويدفع الثمن بدل الجميع.

مو حيدر
الرئيس التنفيذي للشؤون المالية في شركة ديالكسا سابقاً.
