في صباح الثامن والعشرين من شباط، لم تكن الطائرات وحدها هي التي تحلّق فوق الأهداف، بل كانت الخوارزميات قد سبقتها إلى الميدان. فقبل أن تُطلَق الذخائر، كانت أنظمة الاستهداف الأميركية والإسرائيلية قد أنهت بالفعل عملية اختيار الأهداف، مستندة إلى مخرجات نموذج الذكاء الاصطناعي “كلود”، الذي أعدّ بنكاً واسعاً من آلاف الأهداف، صادق عليه لاحقاً مشغّل عسكري.
خلال الساعات الاثنتي عشرة الأولى من عملية “الغضب الملحمي”، تحوّلت السماء إلى مسرح لضربات كثيفة ومتزامنة، حيث نفّذت القوات الجوية الأميركية مئات الغارات على امتداد عشرات المواقع، مستهدفة منظومات صاروخية، ودفاعات جوية، ومراكز قيادة وسيطرة، في وقتٍ متقارب يكاد يلغي الفواصل الزمنية التقليدية بين الرصد والضربات. هذا التزامن غير المسبوق يطرح سؤالاً جوهرياً: كيف أصبح بالإمكان إدارة هذا الحجم من الأهداف في وقت قياسي، وبدرجة عالية من الدقة؟
الجواب يكمن في التحوّل العميق الذي أحدثه الذكاء الاصطناعي داخل ما يُعرف عسكرياً بـ”سلسلة القتل”. فبعد أن كانت هذه السلسلة تستغرق أياماً، أو حتى أسابيع، باتت تضغط زمنياً إلى حدٍّ غير مسبوق. ولم يعد التحدي في العثور على الأهداف بحد ذاته، بل في سرعة تحويلها من بيانات استخباراتية إلى ضربات فعلية على المسرح الميداني.
يقوم نموذج “كلود” بدور محوري في هذا التحوّل، إذ يتولى تحليل كميات هائلة من البيانات الاستخباراتية، ويعيد ترتيبها ضمن أولويات عملياتية واضحة، مقترحاً أهدافاً محدّدة ومرفقة بإحداثيات دقيقة، ويوصي بنوعية السلاح الأنسب لضرب كل هدف. والأهم من ذلك أنه يختصر عملية اتخاذ القرار عبر تقديم مسارات عمل متعددة جاهزة للتقييم والتحليل والتنفيذ.
بهذا المعنى، لم يعد الإنسان هو من يبني قائمة الأهداف، بل أصبح يختار من قائمة جاهزة أعدّتها منظومة الذكاء الاصطناعي. وهنا يتغيّر موقعه داخل المنظومة، من صانع قرار إلى مُصادق على توصيات ليس أكثر.
لكن التحوّل لا يتوقف عند حدود السرعة والدقة، فالذكاء الاصطناعي لا يكتفي بتحليل الواقع، بل يحاكي المستقبل أيضاً. إذ تُستخدم هذه النماذج في محاكاة سيناريوهات المعركة، وتوقّع ردود الفعل المحتملة لدى العدو، ما يمنح القادة العسكريين صورة استباقية عن تطورات الميدان قبل وقوعها.
في الحروب السابقة، مثل حرب الخليج عام 1991، احتاجت القوات الأميركية إلى أشهر لإعداد بنك أهداف محدود نسبياً، ثم أسابيع لتنفيذه. أما اليوم، فقد بات بالإمكان إنتاج آلاف الأهداف وتنفيذها خلال ساعات قليلة، في قفزة نوعية تعكس انتقال الحروب من عصر “الكتلة النارية” إلى عصر “سرعة القرار”.
غير أن هذا التسارع يطرح إشكالية عميقة: أين يقف الإنسان فعلياً في هذه المعادلة؟ فعندما تُنتج المنظومة مئات الأهداف خلال ساعات، هل يملك المشغّل البشري القدرة الحقيقية على مراجعتها بدقة؟ أم أن كثافة البيانات تدفعه بشكل غير واعٍ إلى الثقة بمنظومة الذكاء الاصطناعي والمصادقة على قراراتها دون تدقيق أو تحليل؟
سؤال يفتح باباً إضافياً للنقاش حول مفهوم الدقة ذاته. فالدقة التي تحققها منظومات الذكاء الاصطناعي ترتبط أساساً بجودة البيانات الاستخباراتية المُدخلة إليها. إذ تشير التقديرات إلى أن هامش الخطأ في هذه المنظومات يتراوح عادة بين 10 و15 في المئة، وهو هامش يرتبط بطبيعة المعلومة الاستخباراتية نفسها، ومستوى موثوقيتها، وتحديثها المستمر. ومع ذلك، يبقى هذا الهامش أقل بكثير من هامش الخطأ البشري، الذي قد يصل أحياناً إلى نحو 70 في المئة في عمليات تحليل معقدة متعددة المصادر، خصوصاً في البيئات العملياتية السريعة والمتغيرة.
هذا الفارق لا يعني أن الذكاء الاصطناعي معصوم عن الخطأ، بل يعكس تحوّلاً في طبيعة المخاطر، حيث تنتقل احتمالات الخطأ من محدودية الإدراك البشري إلى جودة البيانات الاستخباراتية ذاتها ونوع البيانات التي بُني عليها القرار.
وهنا يظهر ما يمكن تسميته بـ”التفريغ المعرفي”، حيث يتراجع الجهد الذهني البشري أمام كفاءة الخوارزميات، ما قد يؤدي إلى نوع من الانفصال عن تبعات القرار. فالمشكلة لم تعد في قدرة الإنسان على اتخاذ القرار، بل في قدرته على مواكبة سرعة الآلة، التي باتت تقترح وتقيّم وتحلّل وتوصي بوتيرة تتجاوز الإدراك البشري.
في نهاية المطاف، لا يبدو أن الذكاء الاصطناعي غيّر فقط أدوات الحرب، بل أعاد تشكيل بنيتها بالكامل. وبينما لا يزال الإنسان حاضراً في الحلقة الأخيرة من القرار، يبقى السؤال مفتوحاً: هل ما زال الإنسان يمسك فعلاً بزمام الأمور، أم أنه بات يسير خلف إيقاع تفرضه الخوارزميات؟

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
