يبدو المشهد الدبلوماسي في هذا الركن المشتعل من الشرق الأوسط أقرب إلى لوحةٍ متحركة من الاتصالات والإشارات، أكثر من كونه إعلاناً رسمياً لعملية تفاوضية واضحة المعالم. فحضور رئيس المخابرات المصرية، اللواء حسن رشاد، على خط الاتصالات الإقليمية — بدءاً من لقائه مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في القدس، إلى زيارته المفاجئة إلى بيروت بعدها بأيام — أعاد إحياء التكهنات حول دورٍ مصري متجدد يسعى لاحتواء التصعيد وتهيئة أجواءٍ لتفاهماتٍ غير مباشرة بين لبنان وإسرائيل.
لكن الفرق بين «تحريك الملف» و«انطلاق مفاوضات غير مباشرة» لا يزال جوهرياً. فحتى اللحظة، لم يصدر أي إعلان رسمي من الطرفين — لا من بيروت ولا من تل أبيب — يشير إلى بدء جولة تفاوضية جديدة عبر قنوات وسيطة. كما لم تصدر الأمم المتحدة أو واشنطن أي بيانٍ عن رعاية مبادرة تفاوضية مشتركة. ما يجري حتى الآن هو حراك أمني دبلوماسي مكثّف يهدف إلى خفض منسوب العنف، وفتح نوافذ تواصل تمهّد، وربما تجرّ لاحقاً، إلى مسار تفاوضي أكثر وضوحاً.
الدور المصري بين الرسائل والاختبار
حضور القاهرة في هذا التوقيت لا يمكن فصله عن طبيعة دورها التاريخي في ملفات المنطقة، خاصة حين تتشابك فيها الجغرافيا بالأمن. فلقاء مسؤول استخباراتي مصري مع نتنياهو يرسل رسالة مزدوجة: إلى إسرائيل بأن القاهرة ما زالت قناة عربية يمكن الاعتماد عليها لنقل الرسائل الحساسة وضبط الإيقاع الإقليمي، وإلى المجتمع الدولي بأن مصر تملك مفاتيح التواصل مع جميع الأطراف، بما فيها القوى اللبنانية المؤثرة، في لحظةٍ يُخشى فيها من انزلاق الحدود إلى حربٍ أوسع.
أما الزيارة إلى بيروت فحملت دلالة أخرى: رغبة القاهرة في قراءة المشهد من الداخل، والالتقاء بقيادات سياسية وأمنية لبنانية لفهم حدود التوتر ومجالات المناورة الممكنة. هذا التحرك يضع مصر في موقع «المراقب الفاعل» الذي يوازن بين متطلبات الأمن الإسرائيلي، وضرورات الحفاظ على استقرار لبنان الهشّ.
وفي هذا السياق، يُعدّ قدوم رئيس المخابرات المصرية اللواء حسن رشاد إلى لبنان حدثاً استثنائياً بكل المقاييس، ويحمل في طيّاته مؤشراً على اقتراب أحد احتمالين رئيسيين: تمهيد الطريق أمام لبنان للدخول في مفاوضات مباشرة، أو توجيه تحذير من حرب كبرى تلوح في الأفق.
إلا أن المرجّح هو الاحتمال الأول، نظراً للدور المحوري الذي تلعبه مصر تاريخياً في إدارة ملفات التفاوض المباشر، وكونها الوسيط الدائم بين الدول العربية وإسرائيل. تمتلك القاهرة مفاتيح تهيئة المناخ السياسي لمفاوضات كهذه، كما تملك القدرة على تجنيب أحد الفصائل المقاومة ضد إسرائيل الإحراج أمام بيئته الشعبية التي تعيش حالة من الاحتقان والتعبئة.
كما يُضاف إلى ذلك امتناع المبعوثة الأميركية أورتاغوس، على غير عادتها (الاستفزازية)، عن الإدلاء بأي تصريح، ما يعزز الانطباع بأن التحركات الجارية تحمل طابعاً حساساً وسرياً، وأن الملفات المطروحة تتجاوز الإطار الدبلوماسي التقليدي إلى مرحلة أكثر دقة في المشهدين اللبناني والإقليمي.
وفي المقابل، ينسجم تصريح الرئيس نبيه بري وتطمينه بأن «لا حرب قادمة» مع مؤشرات وجود مساعٍ حثيثة لتثبيت التهدئة وتهيئة الأرضية السياسية لمفاوضات محتملة، بدلاً من الانزلاق نحو مواجهة عسكرية واسعة. ويمكن القول إن هناك عاملين إضافيين أسهما في إنضاج فترة التفاوض المحتملة:
- التصعيد الإسرائيلي الأخير في استهداف حزب الله ومقربين منه، حيث بلغت خسائر الحزب أكثر من 12 مقاتلاً خلال أقل من أسبوع، ما قد يكون جزءاً من سياسة الضغط الميداني لفرض إيقاع سياسي جديد.
- تهديد توم باراك بأن لبنان أمام «الفرصة النهائية»، وهو تصريح يحمل دلالات واضحة على وجود نافذة زمنية ضيقة لإبرام تفاهمات قبل أن تتغير المعادلة الميدانية أو السياسية.
هذه المعطيات مجتمعة تشير إلى أن لبنان دخل مرحلة دقيقة من الحسابات السياسية والأمنية، قد تفضي إمّا إلى انفراج تفاوضي محدود أو إلى تسوية أوسع ترسم ملامح المرحلة المقبلة.
وساطة ضمن شبكة إقليمية ودولية
التحرك المصري يأتي ضمن شبكة أوسع من الاتصالات الدولية: زيارات متكررة لمبعوثين أميركيين وفرنسيين إلى بيروت وتل أبيب، ضغوط أممية لتأمين قوات «اليونيفيل»، ومساعٍ خليجية لاحتواء أي تصعيد قد يمتد إلى جنوب سوريا أو البحر المتوسط. في هذا السياق، يبدو أن القاهرة لا تسعى لاحتكار الملف، بل لتكامل دورها مع الوساطة الأميركية والأممية، مستفيدةً من رصيدها الإقليمي وقدرتها على التواصل مع قوى المقاومة في لبنان من جهة، ومع الجانب الإسرائيلي من جهةٍ أخرى.
هذه المعادلة تمنحها موقع «الوسيط المرن»، القادر على نقل الرسائل العاجلة، وتهدئة الأجواء قبل أن تنفجر. وربما تكون هذه المرحلة — مرحلة اختبار النوايا وقياس المواقف — مقدمة لتأسيس آلية تفاوض غير مباشرة، قد ترعاها القاهرة إلى جانب واشنطن والأمم المتحدة، إذا توافرت الظروف السياسية والأمنية لذلك.
هل بدأت المفاوضات فعلاً؟
الإجابة الدقيقة: لا بالمعنى الرسمي، ولكن نعم من حيث المضمون التحضيري. فمصر بدأت بالفعل تحركاً فعلياً على خط لبنان—إسرائيل عبر جهد استخباراتي ودبلوماسي متقدم، يهدف إلى منع الانفجار وتهيئة الأرض لأي مفاوضات محتملة. ما يجري الآن هو «تفاوض ناعم» من خلف الكواليس، يعتمد على الرسائل الأمنية أكثر من البيانات السياسية، وعلى لغة المصالح الإقليمية أكثر من الشعارات.
غير أن الطريق إلى مفاوضاتٍ حقيقية لا يزال طويلاً. فالعقدة الأساسية تبقى في الداخل اللبناني — بين موقف الحكومة الرسمي وحسابات حزب الله الميدانية — وفي الداخل الإسرائيلي حيث تتأرجح حكومة نتنياهو بين الضغوط الداخلية والحسابات العسكرية. ولهذا، فإن أي وساطة تحتاج إلى ضماناتٍ دولية واضحة، وآليات رقابة على الأرض تضمن تنفيذ ما قد يُتفق عليه، ولو جزئياً.
خلاصة استراتيجية
القاهرة تتحرك اليوم بحسابٍ دقيق، بين ضرورات الأمن الإقليمي ومصالحها الوطنية، مدركة أن تهدئة الجبهة الشمالية لإسرائيل شرط ضروري لنجاح أي مبادرة لاحقة في غزة. ومن خلال هذا الدور، تحاول مصر إعادة تثبيت مكانتها كركيزة استقرار في معادلة الشرق الأوسط الجديد.
فهل تنجح في تحويل هذه الاتصالات المتقطعة إلى مسار تفاوض فعلي؟ ربما، إذا استطاعت أن تجمع خيوط التناقضات في لحظةٍ دولية مضطربة. أما الآن، فالمشهد لا يزال في طور «التجريب الدبلوماسي»، حيث تتحرك القاهرة بخطى واثقة، صامتة، لكنها محسوبة، لتعيد هندسة التوازن بين حدودٍ ملتهبة وواقعٍ إقليمي يبحث عن تسوية ما قبل الانفجار.

محمد سعد عبد اللطيف
كاتب مصري وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية. يتناول الشأن السياسي والثقافي كما القضايا العربية والتاريخ. يتميز بأنه يجمع بين الشعرية والنقد.
