تتجلى ظاهرة الاستهلاك المستقطب (وهو تحويل عملية الشراء من مقايضة مادية مجردة إلى “فعل انتماء” يهدف إلى تدوير الثروة داخل حدود الجماعة لتعزيز تضامنها، أو حجبها عن الآخر للتعبير عن موقف هوياتي أو سياسي) في أبهى صورها داخل المجتمعات التعددية، حيث يتحول فعل الشراء من عملية مادية جافة إلى لغة صامتة للتعبير عن الوجود.
ففي أحياء المهاجرين بأوروبا وأميركا، يمثل “المتجر العربي” أو “السوق الأفريقي” أكثر من مجرد مصدر للغذاء، إنه مركز ثقل اجتماعي يمنح الملونين والمسلمين شعوراً بالأمان الثقافي ودعماً اقتصادياً متبادلاً في بيئة قد تبدو أحياناً غريبة أو مقصية. هذا النمط الاستهلاكي يبني جدران حماية غير مرئية، حيث يفضل الفرد دفع “ضريبة معنوية” مقابل الحصول على منتج يحمل رائحة الوطن أو يلتزم بضوابط المعتقد، مما يخلق دورات مالية مغلقة تعزز صمود هذه الجماعات في وجه الذوبان الكامل أو التهميش الاقتصادي.
وفي الحالة اللبنانية، يتخذ هذا الاستقطاب بعداً أكثر عمقاً وتجذراً، حيث تعيد الجغرافيا الطائفية رسم خارطة الأسواق والمصالح، فيصبح التردد على مؤسسات تجارية بعينها بمثابة تصويت يومي على الثقة داخل الجماعة الواحدة. يتجاوز اللبناني في استهلاكه منطق الجودة المجردة ليحتمي بـ “العصب” الذي توفره البيئة الحاضنة، مما يحول الاستهلاك إلى أداة لتمكين القوى الاقتصادية المحلية داخل كل منطقة، ويخلق نوعاً من “الاكتفاء الذاتي الهوياتي” الذي يجعل لكل طائفة دورتها الحيوية الخاصة، وهو سلوك يفسره الأدب الاقتصادي كآلية دفاعية لتقليل المخاطر وبناء شبكات تكافل اجتماعية تشتد الحاجة إليها في أوقات الأزمات الكبرى.
لكن هذه الآلية لا تكتفي بالدفع الإيجابي نحو “الأنا”، بل تبرز بوضوح في “الاستهلاك السلبي” أو المقاطعة التي تعبر عن استقطاب مضاد، حيث يصبح الامتناع عن الشراء سلاحاً هوياتياً حاداً. ويعد المثال الشهير لشركة “إنتل” (Intel) في سياقات المقاطعة السياسية نموذجاً صارخاً لكيفية تحول العلامة التجارية العالمية إلى رمز للصراع؛ فعندما يشعر المستهلك المنتمي لجماعة معينة أن استهلاكه يدعم كياناً يهدد وجوده أو يعارض قناعاته الأخلاقية، يسقط منطق “التفوق التقني” للشركة أمام نداء الهوية. هنا، لا يعود المعالج القوي ميزة، بل يصبح عبئاً أخلاقياً، مما يجبر الفرد على البحث عن بدائل حتى لو كانت أقل كفاءة، انتصاراً للموقف الجماعي الذي يرى في المقاطعة فعلاً وجودياً لا يقل أهمية عن الشراء التضامني.
تتوقف هذه الديناميكية عن العمل فقط عندما يصطدم الانتماء بجدار “الاحتكار المعرفي” أو الفجوة التقنية التي لا يمكن ردعها، فالمستهلك الذي قاطع “إنتل” قد يجد نفسه مضطراً للعودة إليها إذا لم يوفر له نظامه الجماعي بديلاً يضمن استمرارية حياته المهنية أو الرقمية. إنها الجدلية المستمرة بين “الإنسان المنتمي” الذي يريد حماية جماعته، و”الإنسان الوظيفي” الذي يحتاج للأدوات الأكثر كفاءة للبقاء في العصر الحديث، وهي مساحة رمادية تظللها الضغوط السياسية والاجتماعية، حيث تظل الهوية هي المحرك الخفي لبوصلة المال، صعوداً في التضامن أو هبوطاً في المقاطعة.

