ما يخفيه سجال عون وبري

لم يرتفع صوت الرئيس اللبناني عاليًا في وجه بري، الذي اضطر إلى الرد عليه بطريقة كشفت دفعة واحدة عمق الخلافات. بل خضع الأمر لما يشبه ميكانيكا التسارع مع قطع المسافات؛ بمعنى أنّه لم يكن وليد لحظته، بل كشفٌ مفاجئ فرضته رياح تضخّم حجم الصبر إلى حدّ الانفجار. غير أنّ هذا الصبر، في مشهد كهذا، لم يكن بين فريقين أحدهما يطلب والآخر يعطي، بل بين عدّة فرقاء، كلٌّ منهم يعطي من دون أن يحصل على شيء، بل يتحمّل مقدارًا متصاعدًا من الخسارة التي سبّبتها قيادةٌ باتت تدفع الفرقاء إلى التنازع على الإفلات من دفّتها بدل الإمساك بها، وحمل لعنةٍ قد لا تمحوها تعاويذ أيّ تفاهم، مهما اتّسع نطاقه.

حين استبقت المبعوثة الأميركية السابقة “أورتاغوس” قدومها – الذي كان يُخطَّط له لمصير كهذا – بصورةٍ تحاكي جمالها، لم تكن تبتغي من وراء ذلك سوى تأمين قبولٍ نفسي لدى من افترضت أنّهم سيواجهونها بشراسة، وربما لم يخطر ببالها هذا أصلًا. في هذه الأثناء، لم تكن تتوقّع أنّ هناك من سينشغل بمطابقة هذا الجمال الذي حملته الصورة على أرض الواقع، بطريقة سمحت لها بتمرير موقفٍ لبناني متلوّن بألوان يفوق عددها عدد ألوان مساحيق تجميلها، ومتليّن بدرجة تفوق ليونة تمايلها. ولم يكن “الأخ الأكبر” وحده من أجرى تجارب في مختبر المطابقة هذا: “قولك حلوة متل الصورة؟”. لقد انساق لبنان الرسمي نحو التعامل مع الأمر الواقع، الذي فرضته سياسة “إمساك العصا من المنتصف”، والتي قادت الشارع اللبناني إلى حدّ القول: “الخط الأزرق رح يوصل للبترون”.

لقد أودت هذه السياسة بلبنان إلى مصير تصنيفه في خانة “المراوغ” أو “الكاذب”، وفق ما كان يفيد به براك. وظلّت مبعوثيّة الولايات المتحدة تسير مع لبنان في هذا الاتجاه، بعد أن تبيّنت، خلال المسير، كلّ إشارات التحذير فيه. غير أنّ هذا التحذير لم يكن لمصلحة لبنان، بل لخدمة هدف قصم التحالفات وشقّ الصفوف. وفي هذا السياق، وجد نبيه بري نفسه في موقع “الأخ الأكبر” الذي لا يجيد إدارة مهمّته. ولم يتوقّف الأمر عند هذا الحد، بل تجاوزه إلى حدّ أنّ هذا الدور تطلّب منه الابتعاد عن حليفه “حزب الله”، ولو جزئيًا، إلا أنّه ابتعادٌ يحمل طابعًا نهائيًا بلا عودة.

تشكّلت حالة اللاعودة هذه حين بدأ بري يستثمر أقسى لحظات ضعف حزب الله، بعد هدنته قبل الأخيرة، للسير في ركب رئيس الجمهورية ومعه رئيس الحكومة، الذي انتقل بدوره من موقع الحليف إلى موقع “الأخ الأكبر”، الذي يُطلب منه تقديم أخيه قربانًا لخصمه في لحظة التقاء المصالح. وقد ظنّ هؤلاء، ومعهم مختلف التيارات السياسية، بما فيها حزب الله، أنّ هذا المسار قد يشكّل أفضل سيناريو للخروج من ضائقة ضاغطة بين دعم إيراني وهجوم إسرائيلي.

غير أنّ هؤلاء جميعًا لم ينتبهوا إلى أنّ ما هو آتٍ لا رجوع فيه. فالتبدّل في المواقف، بعد تفويت لحظة الضرورة، لن يعيدهم إلى ما قبل الضغط. نحن أمام مرحلة مغايرة تمامًا، يقف الجميع على أعتاب متاعبها. لقد انتهى زمن تمرير الوقت والدخول في هدنات تسمح بإجراء الاتصالات وتثبيت الأوضاع، ولو تحت سيطرة إسرائيلية على بعض النقاط، أو عبر مناورات محدودة واغتيالات، كان يُنظر إليها كرصيد احتياطي يمكن استثماره لاحقًا.

وقف نبيه بري اليوم موقفًا لم يكن في حسبانه، ولا في حسبان رئيس الجمهورية ولا رئيس الحكومة. ففي مشهدٍ تعمل فيه السعودية وفق مسار مستقل نسبيًا عن المسار الأميركي، من حيث التريّث في القبول بأي لقاء لبناني–إسرائيلي أو تفاوض، على خلاف رغبة الولايات المتحدة – ومعها إسرائيل – التي تسعى إلى تثبيت سقفٍ معيّن للتفاهمات، سواء عبر اتفاق أمني أو مفاوضات أو حتى اتفاقية سلام، يضمن لها حق التدخل العسكري داخل الأراضي اللبنانية، بغطاء رسمي من الحكومة اللبنانية. وهنا، ينبغي التنبه إلى الفارق في النظرة والأهداف بين الولايات المتحدة وإسرائيل.

في ظل هذا الواقع، لم يعد ممكنًا لرئيس مجلس النواب الاستمرار بدور مفصل الالتقاء بين التضاد السعودي–الأميركي–الإسرائيلي، في وقت يميل فيه الرئيس عون إلى الاصطفاف ضمن المقاربة الأميركية، وفق تصريحاته واتصالاته، التي استخدم فيها موقعه لتوجيه خطاب التخوين نحو حزب الله، الذي شعر بدوره أنّه بات وحيدًا، حين اضطر إلى التظاهر بطريقة لم ترق لبري، الذي سُرّب عنه التفكير بتنظيم تظاهرات مضادة.

لقد وجد أطراف المعادلة اللبنانية أنفسهم في حالة عزلة متبادلة. فانزلق رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة إلى صفّ الولايات المتحدة، فيما وُضع حزب الله في خانة الاتهام بالخيانة، في حين تموضع نبيه بري ضمن الفضاء العربي، في مسارٍ فرض عليه، بحكم الضرورة، قدرًا من الابتعاد عن إيران، ولو بقيت العلاقة ضمن حدود مرونة محسوبة.

هذا التبدّل يعني أنّ بري أنهى، فعليًا، علاقته مع حزب الله، قبل أن ينهيها الحزب نفسه، في وقت بقيت فيه باقي القوى في موقع المتفرّج، تحاول تقليل الخسائر وتجنّب اللوم، عبر مشاركة شكلية في الحكومة، التي لا يظهر فيها، في التعامل مع الولايات المتحدة وإسرائيل، سوى رئيسها.

هذا الخجل السياسي لم يمنع بعض الأطراف من التفكير في “علم الانقلاب على الثوابت”. فإذا كانت هناك محاولات للاستفادة من توجه بري نحو تشكيل قطب جديد بغطاء عربي، فإن تحركات كزيارة وليد جنبلاط إلى سوريا يمكن أن تُقرأ في السياق نفسه، خصوصًا مع تصاعد التقارب السعودي–السوري. وهنا يبرز السؤال: هل تتجه العلاقة بين جنبلاط وبري نحو تحالف أم تنافس؟ ومن سيحلّ مكان من؟

إنها معادلة تعكس تبدّل موازين لبنان القديم، الذي ظنّ قادته – من عون إلى سلام إلى بري – أنهم قادرون على النجاة عبر إدارة التناقضات. غير أنّ تأجيل اللقاء الثلاثي الأخير بينهم لم يكن تفصيلاً، بل لغمًا ضمن حقل ألغام متفجّر، زادته خطورةً التسريبات الاستخباراتية الإسرائيلية حول تهديد حياة الرئيس عون، ما يعكس نجاح إسرائيل في شقّ الصف اللبناني وتحويل الصراع إلى مواجهة داخلية.

عودةً إلى سياق إسرائيل، فإنّ أي اتفاق محتمل، سواء أكان أمنيًا أو معاهدة سلام، لن يتجاوز كونه “تفويضًا رسميًا” لا أكثر. فالظروف لم تتغيّر، ولم تنشأ قوة لبنانية قادرة على سحب سلاح حزب الله، وهو ما تدركه إسرائيل جيدًا، وبالتالي لا يمكنها الركون إلى اتفاق لا يستطيع الطرف الآخر تنفيذ التزاماته فيه.

تدرك “إسرائيل نتنياهو” هذه الحقيقة، وهي تحسب بدقة زمن بقاء ترامب في السلطة، وتداعيات نهاية الحرب مع إيران وانعكاساتها على النفوذ الإيراني.

في هذا السياق، وبعد انزلاق بري إلى مرحلة فقدان التوازن بين الحزب والسلطة، ومحاولته إعادة التموضع عبر الانفتاح على السعودية، في مقابل تأجيل اللقاء الثلاثي، يتبيّن أنّ المسار العربي يسعى إلى تجنّب الانخراط الكامل في المشروع الأميركي، خشية فتح جبهة صدام جديدة مع إيران.

وقد استشعرت الولايات المتحدة هذه المخاطر، خصوصًا في ظل الحديث عن تشكيل قوة إسلامية تضمّ باكستان وتركيا والسعودية. ويبدو أنّ اختيار باكستان وسيطًا لم يكن بريئًا، بل يهدف إلى شقّ صفوف خارج ساحة الصراع المباشر، واستخدامها كجسر للحدّ من تعمّق التعاون السعودي–الباكستاني، بما يخدم المصالح الأميركية في إعادة ضبط توازنات القوة والخوف في المنطقة.

مقالات الكاتب

د. راشد الشاشاني

أستاذ جامعي ومحامٍ وكاتب سياسي.