قضية إبستين: اختبار أخلاقي قاسٍ للنخبة الغربية

مع الإفراج عن ملايين الصفحات من الوثائق المرتبطة بقضية جيفري إبستين، يتأكد أن ما كُشف حتى الآن لا يمكن التعامل معه بوصفه ملفًا جنائيًا معزولًا، ولا باعتباره انحرافًا فرديًا لرجل واحد. فالقضية، في جوهرها، تطرح أسئلة أعمق تتصل بطبيعة السلطة، وحدود المحاسبة، وعلاقة النخب السياسية والمالية بمنظومة القيم التي تعلن الدفاع عنها.

لقد تحوّل اسم إبستين إلى عنوان رمزي لأزمة تتجاوز الشخص، وتمسّ البنية التي سمحت له بالتحرك لسنوات داخل الدوائر الأكثر نفوذًا في الغرب، من السياسة إلى المال، ومن الأكاديميا إلى المؤسسات الثقافية.

الثابت قضائيًا أن إبستين أدين بجرائم خطيرة تتعلق بالاتجار الجنسي. لكن غير المفهوم حتى الآن هو كيف أمكن لتلك الجرائم أن تستمر، وكيف أُحيط الرجل بدرجات متفاوتة من الحماية أو التغاضي المؤسسي.

ففي أنظمة تُقدّم نفسها بوصفها نموذجًا لسيادة القانون، يصبح استمرار جريمة بهذا الحجم مؤشرًا على خلل لا يمكن تجاهله. إذ لم يكن إبستين يعيش في الهامش، بل في قلب النخبة، محاطًا بشخصيات سياسية ومالية بارزة، ومشاركًا في تمويل مؤسسات بحثية وأكاديمية كبرى.

لا توجد أدلة منشورة تثبت أن الوصول إلى الحكم كان مشروطًا بسلوكيات غير أخلاقية. غير أن الوثائق والشهادات المتداولة تفتح الباب أمام فرضية أكثر تعقيدًا: استخدام العلاقات الخاصة والمواد الحساسة كأدوات ضغط وضبط داخل دوائر القرار.

في هذا السياق، لا يكون السؤال عمّا إذا كانت الرذيلة “شرطًا للسلطة”، بل عمّا إذا كانت وسيلة لإدامتها أو تحييد أصحاب النفوذ ومنعهم من الخروج عن المسار المرسوم.

في سياق متصل، ورَد اسم الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون في سجلات طيران إبستين، وهو ما أُشير إليه في وثائق رسمية، مع تأكيد كلينتون نفيه أي علم أو تورط في جرائم. الدلالة هنا ليست قانونية، بل سياسية: قرب شخصيات من أعلى هرم السلطة من شخص مدان لاحقًا بجرائم جسيمة يطرح تساؤلات حول معايير التدقيق والمساءلة داخل النخبة نفسها.

وفي بريطانيا، شكّلت قضية الأمير أندرو محطة لافتة، انتهت بتسوية مالية خارج القضاء وسحب مهام رسمية، من دون محاكمة علنية. وقد أثارت هذه النتيجة نقاشًا واسعًا حول الفارق بين العدالة الشكلية والعدالة الجوهرية حين يتعلق الأمر بشخصيات نافذة.

اختزال هذه القضية في إطار “الانحرافات الفردية” أو “الاضطرابات النفسية” يبقى تفسيرًا ناقصًا. فالأقرب إلى الواقع هو الحديث عن بيئة تسمح بتعليق القواعد حين يكون الفاعل محصّنًا بالمال أو النفوذ. إنها بيئة لا تُلغي الأخلاق نظريًا، لكنها تُخضعها لحسابات السمعة والمصلحة وإدارة الأزمات، وهو ما يفسّر لماذا تأخر التدخل، ولماذا جرى الاحتواء بدل المواجهة في أكثر من مرحلة.

في الواقع، استفادت أطراف متعددة من الصمت أو التواطؤ: متورطون محتملون؛ وسطاء قانونيون وإعلاميون؛ و⁠مؤسسات فضّلت حماية صورتها العامة. في المقابل، دفع الضحايا الثمن الأكبر، ليس فقط نتيجة الجرائم نفسها، بل أيضًا بسبب بطء العدالة وتعقيد مسارات المحاسبة. كما دفعت المنظومة الغربية ككل ثمنًا معنويًا يتمثل في تآكل الثقة بخطابها الأخلاقي.

في الولايات المتحدة، لا تبدو القضية مرشحة للإغلاق السريع، بل مرشحة للتحول إلى عنصر دائم في النقاش العام حول الشفافية وحدود نفوذ المال في السياسة. أما بالنسبة إلى إسرائيل، فالتداعيات ليست مباشرة من الناحية القانونية، لكنها قد تُستثمر سياسيًا وإعلاميًا في سياق الصراعات الدولية، حيث تُستخدم القضايا الأخلاقية كأدوات في معركة السرديات.

خلاصة القول، قضية إبستين ليست استثناءً بقدر ما هي إنذار مبكر. إنها تذكير بأن أي منظومة، مهما رفعت من شعارات القيم، تبقى عرضة للتآكل إذا لم تُخضع السلطة للمساءلة الفعلية، لا الرمزية.

والسؤال الذي يبقى مطروحًا بإلحاح ليس فقط: كيف حدث ذلك؟ بل: ما الذي تغيّر فعليًا لضمان ألا يتكرر؟

مقالات الكاتب

د. محمد حلاوي

أستاذ جامعي في كلية العلوم الاقتصادية في الجامعة اللبنانية، متخصص في الشأن الاقتصادي والسياسي والتحليلي. عضو في الهيئة التأسيسية في “المرصد الشعبي” في لبنان، ومتحدّث في قضايا التعاضد الاجتماعي والعدالة.